حين تتحول لقمة العيش إلى ورقة إنتخابية…

صعب أن تتحول الحاجة الإجتماعية إلى أداة إنتخابية، ويستبدل البرنامج السياسي بأطباق الطعام وقفف المساعدات والمنح الظرفية والوعود المؤجلة، صعب أن تفقد الإنتخابات معناها الديمقراطي، وتصبح إرادة المواطن محاصرة بضغط الفقر والهشاشة. فالديمقراطية الحقيقية لا تبنى بإستمالة المواطنين بالمآدب في موسم الإقتراع، ثم نسيانهم طوال سنوات الولاية، وإنما تبدأ بسياسات عمومية دائمة تضمن لهم الشغل والتعليم والعلاج والسكن والحماية الاجتماعية، وتصون كرامتهم حتى يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع بكل حرية دون توجيه لإختياراتهم، مقتنعين بالبرامج الحزبية، لا مدينين لأحد بلقمة أو منحة أو خدمة أو وعد.
ما يثير القلق ونحن نتتبع هذه الأيام حملات مرشحينا المحترمين الإنتخابية، هو تراجع النقاش حول الأفكار والحصيلة والبدائل، مقابل إتساع أساليب الإستمالة القائمة على إستغلال الأوضاع الإجتماعية الصعبة فتوزع المساعدات تحت غطاء العمل الخيري، وتستثمر المناسبات الدينية والإجتماعية لإستقطاب الناخبين، وتسخر شبكات النفوذ والوساطة لقضاء المصالح، وقد تتحول بعض الجمعيات والصفحات الرقمية إلى أدوات دعائية غير مباشرة. والخطورة ليست فقط فيما سبق ذكره، وإنما في ما أصبحنا نقف عليه من تبادل لإتهامات خطيرة تتطلب تدخل النيابة العامة.
إن من يقدم المساعدة للمحتاج طلبا لصوته لا يحارب الفقر، بل يستثمر فيه ومن يجعل المنحة بديل عن البرنامج لا يسعى إلى تمثيل المواطن بل إلى إمتلاك صوته. وعندما توظف المساعدات لصناعة الولاء لا يعود التصويت تعبيرا صادقا عن الإرادة الشعبية، وإنما يتحول إلى مقايضة مختلة بين حاجة عاجلة لدى المواطن وطموح سياسي لدى المرشح. وهي مقايضة لا يتساوى فيها الطرفان، لأن أحدهما يتحرك بقوة المال والنفوذ، بينما يتصرف الآخر تحت ضغط الحاجة والخوف من الحرمان. ليبقى اللوم الحقيقي ليس على ذلك المواطن البسيط الذي يقع على من يستغل هشاشته، بل على السياسات التي تتركه عرضة للإبتزاز وعلى كل جهة تتساهل مع إستعمال المال الإنتخابي. فالمواطن الذي يبحث عن دواء أو قوت أسرته ليس سلعة سياسية، وحاجته لا تنتقص من وعيه ولا من وطنيته، وإنما تفرض على الدولة والمجتمع حمايته من كل أشكال الإستغلال والإبتزاز.
ختاما، إن حماية نزاهة الإنتخابات تقتضي تشديد الرقابة على مصادر تمويل الحملات، والتدقيق في أنشطة الإحسان الموسمي وتوزيع المساعدات خلال الفترات الإنتخابية، ومراقبة الجمعيات والوسطاء والإعلانات الرقمية مع ضمان سرعة البحث في الشكايات وترتيب الجزاءات القانونية والسياسية على كل من يثبت تورطه. كما تستوجب مسؤولية أخلاقية من الأحزاب وإعلام مهني يقظ، ومجتمع مدني مستقل وناخب واعي بأن صوته جزئ من الإصلاح والتغيير الذي يناشده. فالانتخابات النزيهة لا تقاس فقط بسلامة الصناديق يوم الاقتراع بل بمدى تحرر إرادة الناخب قبل وصوله إليها. فلا معنى لصندوق شفاف إذا كانت الطريق المؤدية إليه مفروشة بالضغط والإغراء وشراء الولاءات. والمواطن الذي تصان كرامته طوال السنة لا يساوم على صوته في موسم انتخابي، والدولة التي تحترم مواطنيها لا تسمح بتحويل فقرهم إلى رصيد سياسي ولا حاجتهم إلى سلعة، ولا حقهم في الإختيار إلى فاتورة يؤديها الفقراء لمصلحة الطامحين إلى السلطة.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب افريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.






