غزة والقدس والدولة الفلسطينية.. بوريطة يكشف من الأمم المتحدة ثوابت التحرك المغربي

الدار/ إيمان العلوي
من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، جدّد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية للمملكة، واضعاً مستقبل قطاع غزة، وحماية المدنيين، وإرساء أسس سلام دائم في الشرق الأوسط، ضمن أبرز الملفات التي تستدعي تحركاً دولياً عاجلاً وفعّالاً.
وفي كلمته خلال المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد بوريطة أن المغرب ينطلق من قناعة راسخة بأن السلام المستدام في المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تسوية سياسية تضمن للشعب الفلسطيني إقامة دولة مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة، على حدود 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش إلى جانب دولة إسرائيل في أمن وسلام.
ولم يقتصر الطرح المغربي على البعد السياسي، إذ أبرز بوريطة أن المملكة قررت الانخراط عملياً في الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في قطاع غزة، من خلال المشاركة في القوة الدولية لتحقيق الاستقرار في القطاع، إلى جانب تقديم مساهمات إنسانية وأمنية تروم توفير بيئة ملائمة لعودة السلم والاستقرار.
وفي هذا الإطار، أوضح الوزير المغربي أن مساهمة المملكة ستشمل المساعدة في تدريب الشرطة الفلسطينية، ونشر ضباط عسكريين رفيعي المستوى ضمن قوات الأمن الداخلي، فضلاً عن إقامة مستشفى ميداني، بما يعكس، وفق الطرح المغربي، توجهاً يجمع بين الدعم الإنساني والمساهمة في بناء مقومات الاستقرار المؤسساتي والأمني.
كما أكد بوريطة استعداد المغرب للمساهمة في قيادة برامج لمكافحة التطرف، انطلاقاً من المقاربة التي تعتمدها المملكة في مواجهة خطاب الكراهية والتطرف، والدفع نحو إرساء بيئة تساعد على تثبيت الأمن والسلام في المنطقة.
وفي الضفة الغربية، عبّر رئيس الدبلوماسية المغربية عن قلق المملكة إزاء التطورات الميدانية والقانونية، خصوصاً ما يتعلق بتمرير قوانين تمس الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية وتفتح المجال للاستيلاء عليها بهدف توسيع الاستيطان، إلى جانب ما وصفه بالعنف المنهجي الذي يمارسه مستوطنون ضد المواطنين الفلسطينيين.
كما سجل المغرب، على لسان بوريطة، قلقه العميق إزاء الإجراءات الإسرائيلية الأحادية والانتهاكات المتكررة لحرمة المسجد الأقصى، محذراً من خطورتها ومن قدرتها على تغذية خطاب التطرف والكراهية وزيادة التوتر في المنطقة.
وفي قلب هذا الموقف، برزت القدس باعتبارها قضية ذات مكانة خاصة في السياسة الخارجية المغربية، حيث جدد بوريطة التأكيد على الدور الذي يواصل الملك محمد السادس الاضطلاع به بصفته رئيساً للجنة القدس، من أجل الحفاظ على الهوية التاريخية والثقافية والروحية للمدينة المقدسة، وصون وضعها القانوني، والعمل على تحسين الظروف المعيشية للمقدسيين.
ويأتي هذا التأكيد المغربي على القضية الفلسطينية في وقت يسعى فيه المجتمع الدولي إلى البحث عن ترتيبات تضمن وقف دوامة العنف وتهيئة الظروف المناسبة لإعادة الإعمار والاستقرار في قطاع غزة، وهي ملفات يطرح المغرب بشأنها مقاربة تقوم على الجمع بين العمل السياسي والمبادرات الإنسانية والمساهمة في بناء مؤسسات أمنية فلسطينية قادرة على الاضطلاع بمهامها.
وفي موازاة الملف الفلسطيني، حدد بوريطة أمام الجمعية العامة ثلاثة تحديات كبرى يرى المغرب أنها تستدعي اهتماماً دولياً عاجلاً، تتمثل في مواجهة تنامي نفوذ الجماعات المسلحة غير الحكومية، والتصدي لتداعيات التغير المناخي، ومعالجة الأزمات الإقليمية، خصوصاً في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وفي هذا السياق، حذر الوزير المغربي من تنامي قدرات الجماعات المسلحة التي لم تعد تقتصر على تهديد الأمن داخل مناطق محددة، بل أصبحت تسعى إلى التحكم في الممرات البحرية والمضائق وتهديد حرية الملاحة واستهداف المنشآت في عدد من الدول.
وأشار إلى أن أكثر من مليون شخص يعيشون في مناطق تخضع لجماعات مسلحة أو تشهد تنازعاً على السيطرة، داعياً إلى فرض عقوبات رادعة على هذه الجماعات ورعاتها، ومساءلة كل من يوفر لها التمويل أو التسليح أو الدعم.
أما في المجال المناخي، فأكد بوريطة أن تحقيق السلام والتنمية يظل مرتبطاً بقدرة المجتمع الدولي على مواجهة تغير المناخ، مبرزاً أن المغرب من أكثر البلدان تعرضاً لتداعيات هذه الظاهرة، رغم مساهمته المحدودة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
واستعرض في هذا الصدد السياسة الاستباقية التي يقودها الملك محمد السادس لمواجهة تحديات الأمن المائي والمناخي، من خلال بناء السدود وربط الأحواض المائية وتطوير تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة وترشيد تدبير الموارد المائية.
وبخصوص قضية الصحراء المغربية، تطرق بوريطة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، مؤكداً أن النزاع الإقليمي دخل، منذ ذلك الحين، مساراً جديداً “لا رجعة فيه للقطيعة مع الماضي والتطلع نحو المستقبل من أجل تسويته النهائية”.
وشدد الوزير المغربي على أن هذا المسار يرتكز على مبادئ يحددها مجلس الأمن، مؤكداً أن الحل لا يوجد “خارج إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية”.
وهكذا، حمل خطاب المغرب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رسالة واضحة بشأن القضية الفلسطينية، تجمع بين التمسك بحل الدولتين، والدفاع عن القدس، والاستعداد للمساهمة عملياً في استقرار قطاع غزة، إلى جانب مواصلة الانخراط في المبادرات الإنسانية والأمنية الهادفة إلى تهيئة شروط السلام.
وفي الوقت ذاته، أكد بوريطة أن مواجهة الأزمات الدولية لا يمكن أن تنجح دون معالجة جذورها السياسية والأمنية، سواء تعلق الأمر بغزة والضفة الغربية، أو بتهديد الجماعات المسلحة، أو بتداعيات التغير المناخي، أو بالنزاعات الإقليمية التي ما تزال تعيق تحقيق الاستقرار والتنمية.





