أخبار الدارسلايدر

بين الحكومة والمعارضة.. الأحرار يضع تموقعه السياسي بيد المجلس الوطني بعد التراجع الانتخابي

احمد البوحساني

وضع رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، خلال انعقاد المجلس الوطني للحزب، السبت 3 أكتوبر 2026 بالرباط، ملامح المرحلة السياسية الجديدة التي يستعد “الأحرار” لدخولها عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة، مقراً بتراجع الحزب انتخابياً، ومعلناً في المقابل استعداد قيادته للمشاركة في الحكومة المقبلة، مع ترك القرار النهائي للمجلس الوطني.

وفي خطاب أمام أعضاء المجلس الوطني، أكد رئيس الحزب أن محطة ما بعد الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مناسبة لتقييم النتائج، بقدر ما يتعين جعلها نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة، تقوم على استيعاب الرسائل التي عبّر عنها الناخبون عبر صناديق الاقتراع، ومراجعة ما يحتاج إلى المراجعة وتقوية التنظيم والحضور الميداني للحزب.

وتوقف رئيس التجمع عند النتائج الانتخابية الأخيرة، مقراً بشكل صريح بأن الحزب سجل تراجعاً مقارنة بالاستحقاق السابق، ومعتبراً أن التعامل مع هذه النتيجة ينبغي أن يتم بعيداً عن التبرير أو التقليل من دلالاتها.

وأوضح أن الحزب سيعمل على قراءة النتائج والاستماع إلى رسائل المواطنين ومراجعة ما يحتاج إلى المراجعة وتصحيح الاختلالات، إلى جانب تجديد أدوات الاشتغال وتقوية التنظيمات وتعزيز القرب من المواطنين.

وفي المقابل، شدد على أن نتائج الانتخابات، رغم التراجع المسجل، لا تلغي موقع التجمع الوطني للأحرار داخل المشهد السياسي، مشيراً إلى ما يتوفر عليه الحزب من حضور تنظيمي وانتخابي ومنتخبين وكفاءات وامتداد بمختلف جهات المملكة.

وأكد أن وزن الأحزاب، وفق رؤية قيادة التجمع، لا يختزل في محطة انتخابية واحدة، وإنما يتأسس على مسار من الحضور السياسي والتنظيمي وتحمل المسؤولية وتدبير الشأن العام.

إشادة بتكليف امرأة برئاسة الحكومة

وتطرق الخطاب إلى تكليف امرأة بتشكيل الحكومة الجديدة، معتبراً هذه المحطة ذات دلالة تتجاوز الأشخاص والأحزاب، وتندرج ضمن مسار تعزيز حضور المرأة المغربية في مواقع المسؤولية وصنع القرار.

وأكد رئيس الحزب أن التجمع الوطني للأحرار يتقاطع مع هذا التوجه انطلاقاً من قناعته بضرورة توفير فرص متكافئة أمام النساء للوصول إلى مواقع المسؤولية على أساس الكفاءة والاستحقاق، معتبراً أن هذه المحطة تحمل كذلك رسالة إلى الأجيال الجديدة من المغربيات بشأن إمكانية الوصول إلى أعلى مواقع المسؤولية.

حصيلة خمس سنوات من قيادة الحكومة

وفي تقييمه للولاية الحكومية التي شارفت على نهايتها، قال رئيس التجمع الوطني للأحرار إن السنوات الخمس الماضية لم تكن “سنوات عادية”، بالنظر إلى التحديات الوطنية والدولية التي تزامنت مع تنزيل عدد من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية.

وأشاد في هذا السياق بالدور الذي اضطلع به رئيس الحكومة خلال الولاية المنتهية، سواء على مستوى قيادة العمل الحكومي أو تدبير الأغلبية والمحافظة على تماسكها، كما نوه بعمل وزراء التجمع والقطاعات التي أشرفوا على تدبيرها.

وفي الوقت نفسه، أقر بأن عدداً من الأوراش والإصلاحات لم يصل بعد إلى نهايته، وأن انتظارات اجتماعية واقتصادية لا تزال قائمة، مؤكداً أن الإصلاحات الكبرى لا يمكن قياسها حصراً بعمر ولاية حكومية واحدة، وأن بعضها يحتاج إلى سنوات قبل ظهور نتائجه واستكمال تنفيذه.

وشدد على مبدأ استمرارية الإصلاحات، معتبراً أن تعاقب الحكومات ينبغي ألا يؤدي إلى توقف الأوراش الجادة، وأن مسؤولية الحكومات اللاحقة تشمل المحافظة على الإصلاحات وتطويرها والبناء عليها.

الأحرار يفتح باب المشاركة في الحكومة المقبلة

أما أبرز الرسائل السياسية في الخطاب فتعلقت بموقع الحزب في الحكومة الجديدة، إذ كشف رئيس التجمع الوطني للأحرار أن المشاورات السياسية التي أعقبت الانتخابات مرت، بحسب وصفه، في أجواء اتسمت بالهدوء والمسؤولية والاحترام المتبادل.

وأوضح أن المكتب السياسي، بعد التداول في نتائج هذه المشاورات ومعطيات المرحلة، أعرب عن ترحيبه بمشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة.

وبرر هذا التوجه برغبة الحزب في مواصلة المساهمة في استكمال الأوراش والإصلاحات المفتوحة، وتثمين المكتسبات والبناء عليها، مستنداً إلى التجربة التي راكمها الحزب والكفاءات التي يتوفر عليها.

وشدد في المقابل على أن المشاركة الحكومية لا ينظر إليها الحزب باعتبارها “غاية سياسية في حد ذاتها”، وإنما مسؤولية ووسيلة للمساهمة في تدبير المرحلة المقبلة.

القرار النهائي في يد المجلس الوطني

ورغم موقف المكتب السياسي المؤيد للمشاركة، أحال رئيس الحزب الحسم النهائي على المجلس الوطني، مؤكداً أن القرارات الكبرى ينبغي أن تمر عبر المؤسسات الحزبية.

وقال إن المكتب السياسي قدم موقفه وتقديره للمرحلة، بينما أصبح القرار بين أيدي أعضاء المجلس الوطني للتداول في معطيات المرحلة وتحديد الموقع الذي يرونه منسجماً مع دور الحزب.

وأكد أن إحالة الملف على المجلس الوطني ليست إجراء شكلياً، وإنما تعبير، بحسب الخطاب، عن تصور الحزب للعمل المؤسساتي، مشدداً على أن القيادة ستحترم القرار الذي سيصدر عن المجلس وستتحمل مسؤولية تنفيذه.

“خدمة الوطن لا تبدأ من الحكومة ولا تنتهي عندها”

وفي رسالة بشأن مستقبل الحزب، أكد رئيس التجمع أن تغيير الموقع السياسي لا يعني تراجع دوره، مشدداً على أن الحزب سيواصل المساهمة في الحياة السياسية سواء كان داخل الحكومة أو في موقع آخر.

واعتبر أن قوة الحزب لا ينبغي أن ترتبط حصراً بقيادته للحكومة، وإنما بقدرته على المبادرة والفعل وتحمل المسؤولية من مختلف المواقع.

وطرح في هذا السياق سؤالاً اعتبره أساسياً للمرحلة المقبلة، ليس حول الموقع الذي سيشغله التجمع الوطني للأحرار، وإنما حول ما يستطيع الحزب تقديمه للبلاد من الموقع الذي ستختاره مؤسساته.

الوحدة الترابية فوق الحسابات الحزبية

وعلى مستوى القضايا الوطنية، دعا رئيس الحزب إلى اليقظة في التعامل مع التحولات الدولية والإقليمية والتحديات الاقتصادية والجيوسياسية والأمنية، معتبراً أن عدداً من الملفات الاستراتيجية يتجاوز حدود الأغلبية والمعارضة.

وجدد في مقدمتها موقف الحزب بشأن قضية الوحدة الترابية للمملكة، مؤكداً تعبئة التجمع وراء الملك محمد السادس في الدفاع عن المصالح العليا للمغرب وصيانة المكتسبات وتعزيز موقع المملكة.

وشدد على أن الاختلاف والتنافس بين الأحزاب أمر طبيعي في الممارسة الديمقراطية، غير أن القضايا الاستراتيجية للبلاد، وفق الخطاب، ينبغي أن تظل خارج الحسابات الحزبية الضيقة.

رسالة ما بعد الانتخابات: مراجعة وتجديد واستمرار

واختتم رئيس التجمع الوطني للأحرار خطابه بالتأكيد على أن الحزب يدخل مرحلة جديدة دون إنكار الرسالة التي حملتها صناديق الاقتراع، وفي الوقت ذاته دون التنكر لما يعتبره إنجازات تحققت خلال سنوات قيادة الحكومة.

ووضع ثلاثة عناوين للمرحلة المقبلة تتمثل في مراجعة ما يحتاج إلى المراجعة، وتصحيح ما ينبغي تصحيحه، وتجديد قدرة الحزب على الفعل والحضور.

وأكد أن المواقع والتحالفات السياسية يمكن أن تتغير، لكن الحزب سيواصل أداء أدواره من الموقع الذي تقرره مؤسساته، واضعاً ما وصفه بـ”المصلحة العليا للوطن” معياراً أساسياً لاختياراته خلال المرحلة المقبلة.

وبذلك يفتح التجمع الوطني للأحرار، من خلال مجلسه الوطني، مرحلة سياسية وتنظيمية جديدة بعد الاستحقاقات التشريعية، تجمع بين مراجعة أسباب التراجع الانتخابي والاستعداد لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وبين احتمال مواصلة الحضور في الجهاز التنفيذي، في انتظار القرار الذي ستتخذه المؤسسة الوطنية للحزب بشأن المشاركة في الحكومة الجديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى