واشنطن تحاصر مدريد اقتصادياً..العقوبات الأمريكية تطرق أبواب إسبانيا

الدار/ سارة الوكيلي
تجد الحكومة الإسبانية نفسها أمام مواجهة متزايدة التعقيد مع الولايات المتحدة، بعدما تحولت قراراتها المتعلقة باستقبال سفن أمريكية في موانئها إلى مصدر توتر يهدد بتوسيع الخلاف بين البلدين، ويفتح الباب أمام تدابير اقتصادية قد تكلف مدريد خسائر مهمة في قطاعات حيوية من تجارتها الخارجية.
وتعود خلفيات هذا النزاع إلى سنة 2024، حين رفضت السلطات الإسبانية السماح لثلاث سفن أمريكية بالرسو في موانئها. وبررت مدريد موقفها بالاستناد إلى القوانين الوطنية والأوروبية والدولية المنظمة لنقل الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج، غير أن القرار أثار تساؤلات بشأن تداعيات توظيف الاعتبارات السياسية في تدبير حركة الملاحة التجارية، وانعكاس ذلك على العلاقات مع شريك استراتيجي بحجم الولايات المتحدة.
ومن منظور واشنطن، فإن ضمان معاملة السفن الأمريكية وفق قواعد واضحة وغير تمييزية يمثل مسألة تتجاوز خلافاً عابراً حول دخول الموانئ، ليرتبط بحماية المصالح التجارية الأمريكية والحفاظ على تكافؤ الفرص في النقل البحري الدولي. وفي هذا السياق، دخلت اللجنة البحرية الفيدرالية الأمريكية على خط القضية، وسط حديث عن إمكانية اتخاذ تدابير مضادة رداً على ما اعتبرته معاملة غير مواتية للسفن الأمريكية.
وتتضمن الإجراءات التي يجري تداولها فرض رسوم قد تصل إلى 200 ألف دولار عن كل رحلة للسفن التي ترفع العلم الإسباني والمتجهة إلى الموانئ الأمريكية، إلى جانب احتمال فرض قيود على بعض المنتجات الإسبانية، من بينها زيت الزيتون ومستحضرات التجميل والسيراميك. وإذا جرى اعتماد هذه التدابير رسمياً، فإنها قد تضع الصادرات الإسبانية أمام اختبار اقتصادي صعب، بالنظر إلى أهمية السوق الأمريكية بالنسبة إلى عدد من المنتجين والمصدرين الإسبان.
ويبدو أن مدريد لم تقدر بما يكفي حجم التداعيات المحتملة لقراراتها في ملف يتقاطع فيه السياسي بالتجاري والاستراتيجي. فالولايات المتحدة ليست مجرد سوق للصادرات الإسبانية، بل شريك اقتصادي وأمني رئيسي، وأي توتر طويل الأمد معها قد ينعكس على قطاعات متعددة، في وقت تحتاج فيه الشركات الإسبانية إلى الحفاظ على أسواقها الخارجية وتعزيز قدرتها التنافسية.
وتزداد حساسية المواجهة في ظل الخلافات السياسية بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحكومة الإسبانية بشأن الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي، فضلاً عن المواقف الإسبانية المنتقدة لإسرائيل. وتؤشر هذه التباينات إلى اتساع الهوة بين الطرفين، بعدما باتت الخلافات السياسية تلقي بظلالها على ملفات التجارة والملاحة والتعاون الاستراتيجي.
وفي المقابل، تراهن مدريد على دعم الاتحاد الأوروبي للدفاع عن مصالحها في مواجهة أي إجراءات أمريكية، غير أن نقل النزاع إلى المستوى الأوروبي قد يحوله إلى اختبار حقيقي لقدرة بروكسل على احتواء الخلافات التجارية مع واشنطن، دون السماح بتفاقمها إلى مواجهة اقتصادية مفتوحة.
وتضع هذه التطورات الحكومة الإسبانية أمام معادلة صعبة: فإما العمل على احتواء الخلاف عبر الحوار والبحث عن تفاهمات تضمن احترام القواعد المنظمة للملاحة وتحمي المصالح المتبادلة، أو المخاطرة بتوسيع دائرة التوتر مع قوة اقتصادية كبرى تملك أدوات مؤثرة في حركة التجارة الدولية.






