
الدار/ إيمان العلوي
لم يكد اسم ماديحة خيير يخرج إلى واجهة المشهد الحكومي المغربي، بعد تعيينها وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، حتى عاد إلى الواجهة بشكل مفاجئ، ولكن هذه المرة بقرار الإعفاء، في تطور يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا التعيين السريع، والجهة التي تتحمل مسؤوليته السياسية، وحدود التنسيق بين مكونات الأغلبية الحكومية.
ففي بلاغ رسمي، أعلن الديوان الملكي أن الملك محمد السادس وافق على طلب رئيسة الحكومة إعفاء ماديحة خيير من مهامها، طبقاً لأحكام الفصل 47 من الدستور. وبين التعيين والإعفاء، برزت مفارقة سياسية لافتة، خصوصاً أن المعنية بالأمر تنتمي إلى حزب الاستقلال، الذي يقوده نزار بركة، بينما جاء تعيينها ضمن تركيبة حكومية يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، في سياق سياسي تتصدر فيه فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط لماذا أُعفيت ماديحة خيير، بل من يتحمل المسؤولية السياسية عن وصولها إلى المنصب ثم مغادرتها بهذه السرعة؟
هل يتعلق الأمر باختيار لم يخضع للتدقيق الكافي قبل الإعلان عنه؟ أم أن هناك معطيات برزت بعد التعيين واستدعت طلب الإعفاء؟ أم أننا أمام خلل في التنسيق بين الأحزاب التي تشكل الأغلبية، بما يجعل التعيينات الحكومية نفسها موضع تساؤل؟
من الناحية السياسية، يصعب فصل القضية عن مسؤولية الحزب الذي تنتمي إليه الوزيرة. فحزب الاستقلال، باعتباره الإطار السياسي الذي تنتمي إليه ماديحة خيير، معني بتوضيح طبيعة ترشيحها، ومدى استيفاء اختيارها للشروط السياسية والمؤسساتية المطلوبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنصب حكومي يتحمل مسؤوليات مباشرة في قطاع حيوي كالتكوين المهني والتأهيل.
غير أن الانتماء الحزبي وحده لا يكفي لتحميل حزب نزار بركة المسؤولية كاملة، ما لم تتضح ظروف اقتراح الاسم، والجهة التي قدمته رسمياً، والمسار الذي سلكه قبل وصوله إلى مرحلة التعيين. فالمسؤولية السياسية هنا لا تُحسم بالانتماء وحده، بل تتحدد وفق الأدوار الفعلية التي اضطلع بها كل طرف في عملية الاختيار.
في المقابل، تبرز مسؤولية رئيسة الحكومة بوصفها صاحبة المبادرة في طلب الإعفاء، وفق ما أورده بلاغ الديوان الملكي. فطلب الإعفاء يضع رئاسة الحكومة أمام سؤال مشروع: ما الذي تغير بين لحظة التعيين ولحظة طلب المغادرة؟ وهل كانت هناك معطيات لم تكن متاحة قبل التعيين؟
لا يعني ذلك أن رئيسة الحكومة تتحمل تلقائياً مسؤولية كل تفاصيل الملف، لكنه يجعل توضيح الأسباب أمراً مهماً لاستعادة الثقة في آليات تشكيل الفريق الحكومي، ولتفادي ترك المجال مفتوحاً أمام التأويلات والتكهنات.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يقود المرحلة الحكومية الحالية، فلا يمكن أن يكون خارج دائرة النقاش السياسي بشأن تماسك الأغلبية وانسجام اختياراتها، حتى وإن كانت الوزيرة المعنية تنتمي إلى حزب الاستقلال. فالحكومات الائتلافية لا تُقاس فقط بتوزيع الحقائب بين الأحزاب، وإنما أيضاً بمدى قدرة مكوناتها على التنسيق والتدقيق في الأسماء قبل تحمل المسؤولية أمام المؤسسات والرأي العام.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين المسؤولية السياسية عن التعيين، والقرار الدستوري المتعلق بالإعفاء. فالفصل 47 من الدستور يحدد الإطار الدستوري للتعيينات والإعفاءات الحكومية، لكنه لا يكشف، في حد ذاته، عن الأسباب التفصيلية التي دفعت إلى طلب إعفاء وزيرة بعينها. كما أن البلاغ الملكي، وفق المعطيات المعلنة، لم يتضمن تفسيراً لخلفيات القرار، رغم ان التفسير يجد تفسه في المعطيات التي زلزلت مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي انتظار اتضاح الصورة، تبقى القضية أكبر من مجرد اسم غادر الحكومة بعد تعيينه بوقت وجيز؛ إنها اختبار لمدى جدية الأحزاب في تحمل مسؤولية ترشيحاتها، وقدرة رئاسة الحكومة على ضمان الانسجام داخل أغلبيتها، وشفافية التواصل المؤسساتي عندما تطرأ تغييرات مفاجئة على تركيبة الجهاز التنفيذي.
فالمغاربة لا ينتظرون فقط معرفة من اقترح ماديحة خيير أو من طلب إعفاءها، بل يريدون أن يفهموا كيف تتم عملية الاختيار، وما المعايير التي تحكمها، وكيف يمكن تفادي تكرار سيناريوهات تضع مصداقية التعيينات الحكومية أمام علامات استفهام.
لا يكفي أن يُغلق ملف الإعفاء ببلاغ رسمي من الديوان الملكي؛ فالمسؤولية السياسية تقتضي أيضاً توضيح ما يمكن توضيحه للرأي العام. وبين حزب الاستقلال ورئاسة الحكومة وحزب الأصالة والمعاصرة، يبقى السؤال المركزي معلقاً: هل كان الخلل في الترشيح، أم في التدقيق، أم في التنسيق؟ أم أن هناك معطيات أخرى لم يُكشف عنها بعد؟





