الحكومةسلايدر

الناطق الرسمي باسم الحكومة.. هل اختارت المنصوري «وزير الكلام» أم اكتفت بتوزيع الألقاب؟

الدار/ إيمان العلوي

في المغرب، يبدو أن بعض المناصب الحكومية تحتاج إلى أكثر من مرسوم تعيين، وأكثر من سيرة ذاتية أنيقة، بل تحتاج إلى اختبار من نوع خاص: هل يستطيع صاحبها أن يقف أمام الصحافيين، ويفهم أسئلتهم، ويجيب بوضوح، ويختار كلماته بدقة، ويخرج من المأزق دون أن يصنع مأزقاً جديداً؟ هنا تحديداً تبرز أهمية الناطق الرسمي باسم الحكومة، ذلك المنصب الذي يفترض أن يكون صوت السلطة التنفيذية أمام الرأي العام، لا مجرد صفة إضافية تزين بطاقة وزير.
ومع تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، عاد هذا السؤال إلى الواجهة بعد تعيين سمير بلفقيه وزيراً لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وناطقاً رسمياً باسم الحكومة، خلفاً لمصطفى بايتاس.  فهل وضعت رئيسة الحكومة التواصل الحكومي ضمن أولوياتها الفعلية، أم أن اختيار الناطق الرسمي ما زال يُعامل باعتباره تفصيلاً يمكن حسمه في نهاية مفاوضات توزيع الحقائب والمناصب؟
المفارقة أن الناطق الرسمي ليس وزيراً عادياً يؤدي مهمة إدارية ثم يغادر مكتبه. إنه الشخص الذي يُطلب منه أن يشرح قرارات الحكومة، ويفكك رسائلها، ويواجه أسئلة الصحافيين، ويقدم التوضيحات حين تتضارب التأويلات، ويتحمل عبء الدفاع عن السياسات العمومية حتى عندما تكون الأسئلة محرجة والأجوبة غير مريحة. إنه، باختصار، الواجهة التي يراها المواطن حين يريد أن يعرف ماذا تفعل الحكومة، ولماذا تفعله، وما الذي تعنيه قراراتها بالنسبة إلى حياته اليومية.
ولذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان سمير بلفقيه يستحق الاحترام بصفته وزيراً أو سياسياً أو أستاذاً جامعياً، وإنما ما إذا كانت المعايير التي قادت إلى إسناد هذه المهمة إليه تتطابق مع طبيعة المنصب ومتطلباته. فالإنصاف يقتضي التمييز بين الكفاءة في التدبير القطاعي والكفاءة في التواصل السياسي؛ إذ لا تعني إحداهما بالضرورة امتلاك الأخرى.

السيرة المهنية المنشورة لبلفقيه تقدم صورة رجل ذي تكوين علمي رفيع وتجربة جامعية ومؤسساتية وسياسية؛ فقد حصل على الدكتوراه في العلوم من جامعة مونبلييه سنة 2002، واشتغل أستاذاً للتعليم العالي، ومديراً للمدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بالرباط، كما سبق له أن انتخب نائباً برلمانياً وعضواً بمجلس جهة الرباط–سلا–القنيطرة. 
هذه مؤهلات تستحق التقدير، لكنها تفتح نقاشاً مختلفاً: هل اختير الرجل بسبب مؤهلاته التواصلية، أم لأن الانتماء السياسي والتوازنات الحكومية قادت إلى إسناد المهمة إليه؟ لا توجد معطيات كافية للجزم بالدافع الذي حسم الاختيار، ولذلك يبقى السؤال مشروعاً من دون تحويله إلى اتهام أو حكم مسبق على شخص الوزير.
فإذا كانت الحكومة تبحث عن شخص يجيد تدبير الملفات، فإن معايير اختيار الناطق الرسمي ينبغي أن تشمل أيضاً القدرة على تبسيط المعقد، والإقناع، والارتجال المحسوب، وسرعة البديهة، والتحكم في اللغة، وحسن الإنصات، والقدرة على إدارة مؤتمر صحافي حين تتوالى الأسئلة من زوايا مختلفة.
والناطق الرسمي الناجح ليس بالضرورة الأكثر فصاحة في المجالس، ولا صاحب الصوت الأعلى أو الخطابة الأكثر استعراضاً؛ بل هو من يستطيع أن يقدم جواباً واضحاً حين يكون الجواب متاحاً، وأن يعترف بحدود المعلومة حين لا تكون متاحة، وأن يشرح موقف الحكومة من دون أن يحوّل كل سؤال إلى معركة مع الصحافي الذي طرحه.

المشكلة في التواصل الحكومي بالمغرب ليست دائماً نقص البلاغات أو غياب التصريحات، بل الفجوة التي قد تنشأ بين ما تقرره الحكومة وما يفهمه المواطن. فحين ترتفع الأسعار، أو تتعثر وعود التشغيل، أو تتضارب التصريحات بشأن ملف حساس، لا يحتاج الرأي العام إلى قارئ جيد للبلاغات، وإنما إلى مسؤول قادر على تقديم تفسير مقنع ومعلومات دقيقة.
وهنا يصبح ضبط اللغة ضرورة سياسية ومهنية، لا مجرد امتياز شخصي. فالناطق الرسمي مطالب بأن يكون فصيحاً من دون استعراض، وحاسماً من دون تهور، ودبلوماسياً من دون مراوغة، وقادراً على مجاراة الصحافيين من دون أن يفقد أعصابه أو يضيع في تفاصيل لا تخدم الجواب.
أما الطلاقة في اللسان، فليست مرادفاً لكثرة الكلام. قد يتحدث مسؤول لدقائق من دون أن يقول شيئاً، وقد يختصر آخر الإجابة في جملتين واضحتين تنهيان الالتباس. لذلك، فإن معيار النجاح الحقيقي ليس عدد الكلمات التي ينطق بها الناطق الرسمي، بل مقدار المعلومات التي يقدمها، ومدى وضوحها، وقدرته على الحفاظ على مصداقية المؤسسة التي يمثلها.
ولعل السؤال الساخر الذي يستحق أن يُطرح هو: هل أصبح الناطق الرسمي في بعض الحكومات آخر ما يُفكر فيه عند توزيع المسؤوليات، مع أنه أول من يُستدعى حين تقع أزمة تواصلية؟ وهل يجري التعامل مع هذا المنصب باعتباره تكليفاً بروتوكولياً، بينما هو في الواقع واجهة يومية للعلاقة بين الحكومة والمواطنين؟
هل أخطأت المنصوري في الاختيار؟
لا يمكن الجزم بأن فاطمة الزهراء المنصوري أخطأت بتعيين سمير بلفقيه، كما لا يمكن اعتبار سيرته الأكاديمية والسياسية دليلاً كافياً على امتلاكه جميع مواصفات الناطق الرسمي. فالحكم على هذا الاختيار يحتاج إلى معطيات عملية: كيف سيواجه الأسئلة المحرجة؟ هل سيقدم أجوبة مباشرة؟ هل سيشرح القرارات بلغة يفهمها المواطن؟ وهل سيضمن انتظام التواصل، أم سيكتفي بترديد المواقف الرسمية؟
وقد يكون من المبكر إصدار حكم نهائي على تجربة لم يمض على انطلاقها سوى أيام. لكن هذا لا يمنع مساءلة معايير الاختيار منذ البداية، لأن التواصل الحكومي ليس مادة ثانوية يمكن تأجيل الاهتمام بها إلى حين ظهور أول أزمة.
والأهم أن تكليف بلفقيه لا يقتصر على مهمة الناطق الرسمي؛ فهو يتولى أيضاً حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهي قطاعات ترتبط بملفات معقدة وانتظارات اجتماعية مباشرة.  وهذا الجمع يطرح بدوره سؤالاً عن الوقت والجهد اللذين سيتطلبهما تدبير الملفات القطاعية، إلى جانب مواكبة القرارات الحكومية والتفاعل مع الصحافة والرأي العام.
لا يحتاج الناطق الرسمي باسم الحكومة إلى أن يكون خطيباً مفوهاً فحسب، بل إلى أن يكون متواصلاً محترفاً، يمتلك سرعة البديهة ودقة التعبير وشجاعة التوضيح. أما المنصب فلا ينبغي أن يكون مكافأة سياسية أو ملحقاً بحقيبة وزارية، بل مسؤولية قائمة بذاتها، تخضع معايير إسنادها لمنطق الكفاءة التواصلية بقدر ما تخضع المناصب الأخرى لمعايير التدبير والخبرة.
فهل اختارت المنصوري صوتاً قادراً على شرح قرارات حكومتها والدفاع عنها بالحجة، أم أن الامتحان الحقيقي سيبدأ عندما يطرح الصحافيون الأسئلة التي لا توجد أجوبتها جاهزة في البلاغات؟
هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الممارسة، لا الألقاب ولا الشهادات وحدها. فالحكومة قد تعيّن ناطقاً رسمياً بقرار، لكنها لا تستطيع أن تمنحه المصداقية بمرسوم؛ تلك تُكتسب مع كل جواب واضح، وكل معلومة دقيقة، وكل سؤال محرج يواجهه صاحبه من دون تهرب أو ارتباك.

زر الذهاب إلى الأعلى