إفريقيا على طاولة القرار الرقمي العالمي.. هل يعيد النموذج المتعدد الأطراف رسم حوكمة الإنترنت؟

المحجوب داسع
مع اقتراب انعقاد المنتدى العالمي لحوكمة الإنترنت في العاصمة الكينية نيروبي، تتجه الأنظار إلى قدرة إفريقيا على تعزيز حضورها في صياغة السياسات الرقمية الدولية، وإعادة التوازن إلى نموذج الحوكمة بما يضمن مشاركة أوسع في صناعة القرار التكنولوجي العالمي.
لم تعد حوكمة الإنترنت مجرد نقاش تقني حول البنية التحتية والشبكات، بل أصبحت قضية استراتيجية تتقاطع فيها السيادة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، والحقوق الرقمية، ومستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، تبرز إفريقيا باعتبارها فاعلًا ينبغي أن ينتقل من موقع التأثر بالقرارات الدولية إلى موقع المشاركة الفعلية في صياغتها وتوجيه مساراتها.
وفي هذا السياق، تستعد العاصمة الكينية نيروبي لاحتضان الدورة الحادية والعشرين للمنتدى العالمي لحوكمة الإنترنت، خلال الفترة الممتدة من 14 إلى 18 دجنبر المقبل، تحت شعار «حوكمة الإنترنت في عصر الذكاء: مسؤوليتنا المشتركة». ويكتسي اختيار نيروبي أهمية خاصة، بالنظر إلى الدينامية الرقمية التي تعرفها القارة الإفريقية، وإلى الحاجة المتزايدة لإشراك دول الجنوب في تحديد أولويات الحوكمة الرقمية العالمية.
إفريقيا.. من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعة القرار
يمثل تعزيز مكانة إفريقيا على طاولة القرار الرقمي العالمي أحد أبرز الرهانات المطروحة على النقاش الدولي، خصوصًا في ظل اتساع تأثير التقنيات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، على الاقتصاد والتعليم والإدارة والإعلام والخدمات العامة.
فالقارة التي تمتلك طاقات شبابية مهمة، وأسواقًا رقمية متنامية، وتجارب واعدة في الابتكار وريادة الأعمال، تحتاج إلى تحويل هذه المؤهلات إلى قدرة تفاوضية ومؤسساتية تمكّنها من المساهمة في وضع القواعد والمعايير التي ستؤطر مستقبل الفضاء الرقمي.
ولا يقتصر هذا الطموح على زيادة التمثيل الإفريقي في المؤتمرات الدولية، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان حضور الخبرات الإفريقية والجامعات والشركات الناشئة والمجتمع المدني في مراحل إعداد السياسات الرقمية، وتطوير حلول تكنولوجية تستجيب لخصوصيات المجتمعات المحلية واحتياجاتها.
كما يفرض هذا التوجه تعزيز الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتوسيع نطاق الاتصال بالإنترنت، وتطوير الكفاءات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إلى جانب تقليص الفجوات الرقمية التي ما تزال تحد من استفادة فئات واسعة من السكان من التحول التكنولوجي.
وتبرز كينيا في هذا السياق باعتبارها بلدًا مضيفًا يتمتع بدينامية رقمية ملحوظة، بما يتيح لنيروبي فرصة لتعزيز الحوار بين الفاعلين الأفارقة والشركاء الدوليين، وإبراز الأولويات التنموية للقارة ضمن النقاش العالمي حول مستقبل الإنترنت.
النموذج المتعدد الأطراف.. ضرورة المشاركة وتوازن المصالح
بالتوازي مع الرهان الإفريقي، يبرز مستقبل نموذج الحوكمة المتعدد الأطراف باعتباره أحد المحاور الأساسية للنقاش حول إدارة التحولات الرقمية. ويقوم هذا النموذج على إشراك الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمجتمع التقني والأوساط الأكاديمية، إلى جانب البرلمانيين والقضاة، في حوار يهدف إلى بلورة مقاربات أكثر شمولًا وفعالية للقضايا المرتبطة بالإنترنت والتكنولوجيا.
وتكمن أهمية هذا النموذج في أن القرارات الرقمية لم تعد حكرًا على المؤسسات الحكومية، كما أن الشركات التكنولوجية الكبرى أصبحت تؤثر، من خلال منصاتها وخدماتها وخوارزمياتها، في تدفق المعلومات وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية لملايين المستخدمين.
ومن ثم، فإن تطوير الحوكمة المتعددة الأطراف يقتضي تجاوز المشاركة الشكلية نحو إرساء آليات حقيقية تضمن تكافؤ فرص التعبير والتأثير، وتعزز الشفافية والمساءلة، وتتيح للمجتمعات الأقل تمثيلًا المساهمة في القرارات التي تمس مستقبلها الرقمي.
ويكتسي إشراك البرلمانيين والقضاة أهمية متزايدة في هذا المسار، بالنظر إلى أدوارهم في تطوير الأطر التشريعية، وتفسير القوانين وتطبيقها، وتحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات من جهة، ومواجهة المخاطر الرقمية من جهة أخرى. كما تبرز الحاجة إلى تعزيز التعاون بين هذه المؤسسات والفاعلين التقنيين والمدنيين، حتى تواكب السياسات العمومية سرعة التحولات التكنولوجية.
غير أن هذا النموذج يواجه تحديات متزايدة، من بينها تفاوت القدرات التقنية والمالية بين الدول، وتركيز النفوذ الرقمي لدى عدد محدود من الشركات، وتباين الرؤى بشأن السيادة الرقمية وتنظيم الذكاء الاصطناعي. وهو ما يجعل تطوير قواعد المشاركة والتعاون الدولي ضرورة لضمان ألا تتحول الحوكمة الرقمية إلى مجال تعكس فيه القرارات مصالح الأطراف الأكثر نفوذًا فقط.
أمين السامي: السيادة الرقمية تبدأ بتحويل التكنولوجيا إلى قيمة مضافة
وفي قراءة لهذه التحولات، يؤكد الخبير المغربي أمين السامي، المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وتدبير التغيير، على أهمية التحول الرقمي بالمغرب و أهمية أهمية التعامل مع الرقمنة باعتبارها رافعة للتحول الاقتصادي والمؤسساتي، وليس مجرد ورش تقني.
ويرى الخبير المغربي في حديث لموقع “الدار”، أن تعزيز حضور إفريقيا في حوكمة الإنترنت لا ينبغي أن يقتصر على المشاركة في النقاشات الدولية، بل يتعين أن يتحول إلى قدرة فعلية على التأثير في القرارات والمعايير الرقمية”، مشيرا الى أن ” التحدي الحقيقي يتمثل في بناء منظومات رقمية إفريقية قادرة على الابتكار وإنتاج القيمة، مع ضمان مشاركة الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والخبراء في بلورة السياسات التي تؤطر هذا التحول.
و اعتبر الدكتور أمين السامي أن الحوكمة المتعددة الأطراف تظل مدخلًا أساسيًا لتحقيق التوازن بين السيادة الرقمية والانفتاح التكنولوجي، وبين متطلبات الابتكار وحماية الحقوق والمصالح العامة، مبرزا أن “حوكمة الإنترنت والسيادة الرقمية في إفريقيا أصبحت رهانا استراتيجياً يرتبط بالاستقلال الاقتصادي والأمن السيبراني والقدرة على إنتاج القيمة التكنولوجية”.
واستطرد الخبير المغربي قائلا :” الأرقام تكشف عن مفارقة أساسية، فرغم توسع شبكات الاتصال، ما تزال نسبة كبيرة من الأفارقة خارج الاستخدام الفعلي للإنترنت المحمول، في الوقت الذي بلغت فيه مساهمة تكنولوجيات وخدمات المحمول في الاقتصاد الإفريقي نحو 240 مليار دولار سنة 2025″، مشددا على أن هذا الواقع يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ستظل إفريقيا مستهلكة للتكنولوجيا ومصدراً للبيانات، أم ستتحول إلى منتج للحلول الرقمية وصاحب دور مؤثر في حوكمتها؟
وأضاف الأستاذ أمين السامي، أن السيادة الرقمية لا تتحقق بتخزين البيانات محلياً فقط، وإنما ببناء منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والمهارات والابتكار، مردفا أن الرهان المستقبلي هو بناء سيادة رقمية إفريقية تعاونية، تحمي الحقوق، وتعزز الاندماج القاري، وتحوّل الرقمنة من سوق للاستهلاك إلى رافعة للإنتاجية والتشغيل والتنمية، معتبرا أن هذه المقاربة تتماشى مع النقاش الأوسع حول ضرورة الانتقال من مجرد توسيع استخدام التكنولوجيا إلى تعزيز القدرة على إنتاجها وتوجيهها، بما يضمن للدول الإفريقية حضورًا أكثر تأثيرًا في الاقتصاد الرقمي العالمي.
المغرب وإفريقيا.. فرصة لتعزيز التعاون الرقمي
بالنسبة إلى المغرب، يشكل النقاش حول الحوكمة الرقمية فرصة لتعزيز التعاون الإفريقي وتبادل الخبرات بشأن التحول الرقمي، وتطوير الكفاءات، وتوسيع فرص الابتكار، والمساهمة في النقاشات الدولية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وحماية البيانات والسيادة التكنولوجية.
كما يتيح موقع المملكة وشبكة شراكاتها الدولية إمكانات لدعم الحوار بين إفريقيا وبقية الفضاءات الإقليمية، بما يساعد على تقريب وجهات النظر بشأن القضايا الرقمية المشتركة، مع مراعاة اختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية بين الدول.
غير أن تعزيز هذا الدور يظل مرتبطًا بقدرة الفاعلين على الانتقال من المبادرات الحوارية إلى مشاريع عملية، تشمل البحث العلمي، وتبادل الخبرات، وتطوير الحلول الرقمية المحلية، وتكوين الموارد البشرية، ودعم مشاركة الشباب والنساء والمجتمع المدني في صياغة السياسات الرقمية.
نحو حوكمة رقمية أكثر شمولًا وعدالة
مع اقتراب موعد المنتدى العالمي لحوكمة الإنترنت في نيروبي، تتجاوز الأسئلة المطروحة حدود تنظيم الإنترنت إلى تحديد طبيعة النظام الرقمي الذي يراد بناؤه في السنوات المقبلة: هل سيكون فضاءً تتقاسم فيه الأطراف المسؤولية والقدرة على التأثير، أم مجالًا تتسع فيه الفجوة بين من ينتج التكنولوجيا ومن يستهلكها؟
إن تعزيز مكانة إفريقيا في القرار الرقمي العالمي وتطوير النموذج المتعدد الأطراف مساران متكاملان؛ فكلما اتسعت المشاركة الإفريقية، ازدادت فرص بناء سياسات أكثر مراعاة للتنوع والعدالة الرقمية، وكلما تحسنت آليات الحوكمة، تعززت قدرة الدول والمجتمعات على التعامل مع التحديات التكنولوجية بصورة جماعية.
ومن هذا المنطلق، لا تكمن أهمية لقاء نيروبي في جمع الفاعلين الدوليين فحسب، بل في قدرته على تحويل الحوار إلى التزامات عملية تعزز المشاركة، وتدعم الابتكار المحلي، وتحمي الحقوق الرقمية، وتمنح إفريقيا موقعًا يتناسب مع طموحاتها في رسم ملامح المستقبل الرقمي العالمي.





