سوق الإسمنت بالمغرب خارج المراقبة.. أسعار مرتفعة وهوامش أرباح مهمة وغياب الرقابة الفعلية على حلقات البيع والتوزيع

الدار/ إيمان العلوي
لم يعد النقاش حول قطاع الإسمنت بالمغرب مقتصراً على الأضرار البيئية التي قد تخلفها بعض المصانع والمقالع، بل امتد إلى سؤال اقتصادي واجتماعي أكثر حساسية يتعلق بمستوى الأسعار، وهوامش الأرباح، ومدى استفادة المستهلك المغربي من المنافسة بين الشركات المنتجة لهذه المادة الأساسية.
ففي الوقت الذي تشهد فيه السوق الوطنية حضور عدد من المجموعات الصناعية الكبرى، لا يزال المواطن والمقاول الصغير وأصحاب أوراش البناء يواجهون أسعاراً تثقل كلفة البناء، وسط تساؤلات حول كيفية تحديد الأسعار، ومدى ارتباطها بالتكاليف الفعلية للإنتاج والطاقة والنقل، وحجم المراقبة التي تخضع لها الشركات وشبكات التوزيع.
مفارقة الإنتاج والأرباح.. لماذا لا تنخفض الأسعار؟
من أبرز المعطيات التي كشف عنها رأي مجلس المنافسة رقم A/3/25 بشأن سوق الإسمنت، أن الطاقة الإنتاجية الاسمية للمصانع المغربية بلغت 27.3 مليون طن في نهاية سنة 2024، في حين لم يتجاوز متوسط استغلال القدرات الإنتاجية 57.1 في المائة خلال الفترة المدروسة.
وتزداد أهمية هذه الأرقام عند مقارنتها بهوامش الربح الإجمالية للمصانع المندمجة، التي بلغت في المتوسط 32.5 في المائة من سعر البيع خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2024.
كما أظهر تحليل بنية الأسعار أن تكلفة الإنتاج تمثل 40.5 في المائة من متوسط سعر البيع، مقابل 27 في المائة للضرائب، و32.5 في المائة للهوامش الإجمالية.
وتطرح هذه المعطيات سؤالاً مشروعاً: إذا كانت المصانع لا تستغل كامل طاقتها الإنتاجية، فلماذا لا تنعكس هذه الوضعية على الأسعار من خلال منافسة أكثر حدة بين المنتجين؟
لا يعني ذلك بالضرورة وجود تلاعب أو اتفاق غير قانوني بين الشركات، لكنه يكشف عن سوق تحتاج إلى مراقبة دقيقة لكيفية تشكل الأسعار، خصوصاً في ظل تمركز القدرات الإنتاجية لدى عدد محدود من الفاعلين.
تركيز السوق.. المنافسة لا تصل بالضرورة إلى المستهلك
من الإشكالات الأخرى التي تستحق النقاش طبيعة التوزيع الجغرافي للسوق المغربية، إذ تختلف درجة المنافسة من منطقة إلى أخرى تبعاً لمواقع المصانع وتكاليف النقل وقرب مراكز الإنتاج من المستهلكين.
فالإسمنت مادة ثقيلة نسبياً، وتؤثر تكاليف نقلها بشكل مباشر على قدرتها التنافسية، الأمر الذي يجعل بعض المناطق أكثر ارتباطاً بمصانع محددة من غيرها.
وهنا تبرز أهمية مراقبة الفوارق بين أسعار البيع عند خروج الإسمنت من المصنع وأسعاره لدى الموزعين ونقاط البيع النهائية، مع تحديد المسؤولية عن الزيادات التي قد لا تبررها تكاليف النقل أو الخدمات الإضافية.
فالمنافسة بين الشركات المنتجة لا تكفي وحدها لضمان أسعار مناسبة، إذا ظلت حلقات التوزيع والبيع بالتقسيط تعاني من ضعف الشفافية أو محدودية التتبع.
الموزعون والفواتير.. الحلقة التي تستدعي التدقيق
كشف مجلس المنافسة أن الموزعين يمثلون حلقة أساسية في سوق الإسمنت، إذ استحوذوا على نحو 66 في المائة من الكميات المباعة خلال الفترة التي شملتها الدراسة، ووصلت مساهمتهم إلى قرابة 92 في المائة من الطلب الوطني على الإسمنت الموجه لأوراش البناء.
كما أشار المجلس إلى ممارسات مرتبطة بإصدار بعض الفواتير دون معاملات تجارية حقيقية مقابلة لها، خصوصاً في بعض قنوات البيع بالتقسيط.
وتثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن مدى مراقبة الفواتير والكميات المباعة، وشفافية المعاملات النقدية، ومدى قدرة المصالح الجبائية والرقابية على تتبع مسار الإسمنت منذ خروجه من المصنع إلى وصوله للمستهلك.
فأي خلل في هذه السلسلة يمكن أن يؤدي إلى تشويه المنافسة، وإضعاف الشفافية الضريبية، وخلق فروق غير مبررة في الأسعار بين المناطق ونقاط البيع.
أوروبا وآسيا.. اختلاف في أساليب الرقابة والشفافية
عند مقارنة السوق المغربية بنظيراتها الأوروبية، لا يتعلق الاختلاف فقط بمستوى الأسعار، بل أيضاً بطريقة مراقبة النشاط الصناعي والتجاري.
ففي الاتحاد الأوروبي، تخضع صناعة الإسمنت لمنظومة متكاملة تشمل قواعد الانبعاثات الصناعية، ونظام تداول حصص الكربون، والتزامات الإفصاح البيئي، إلى جانب قواعد المنافسة ومراقبة الممارسات التجارية.
وتتحمل الشركات التزامات مرتبطة بتكاليف انبعاثاتها الكربونية، كما تخضع منشآتها لمتطلبات تقنية ورقابية محددة.
وفي الهند، تتجه السلطات إلى تعزيز الرقابة على الانبعاثات الصناعية وكثافة الكربون في إنتاج الإسمنت، من خلال معايير قطاعية وآليات لقياس الأداء البيئي.
أما في الأسواق العربية، ومنها مصر، فإن المقارنة تقتضي فحص تقارير أجهزة المنافسة، وتكاليف الإنتاج والطاقة، وأسعار البيع الفعلية، بدلاً من الاكتفاء بمقارنة الأسعار الاسمية بين الدول.
والفارق الأساسي الذي يستحق الدراسة هو مدى انتظام نشر البيانات المتعلقة بالأسعار وهوامش التوزيع، ووجود آليات فعالة لتلقي الشكايات والتحقيق فيها، وإعلان نتائج المراقبة والعقوبات عند ثبوت المخالفات.
من يراقب الأسعار وهوامش الأرباح؟
إن السؤال المطروح ليس المطالبة بتحديد إداري لأسعار الإسمنت أو التدخل في آليات السوق، بل ضمان ألا تتحول خصوصية القطاع وتركيزه الجغرافي إلى عوامل تحد من المنافسة أو تضعف قدرة المستهلك على الاستفادة من تعدد المنتجين.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى توضيح دور مجلس المنافسة، والمصالح المكلفة بمراقبة الأسواق، والإدارة الجبائية، والسلطات المحلية، في مراقبة مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع.
كما تبرز ضرورة نشر معطيات دورية حول متوسط أسعار البيع عند المصنع، وأسعار البيع لدى الموزعين، وهوامش التوزيع، والفوارق الجغرافية، مع إخضاع الفواتير والمعاملات التجارية لرقابة فعالة.
أسئلة مفتوحة أمام الشركات والجهات الرقابية
أمام هذه المعطيات، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة:
لماذا لا تنعكس الطاقة الإنتاجية غير المستغلة على مستوى الأسعار؟
ما أسباب استمرار هوامش إجمالية مهمة في سوق تتوفر فيها طاقات إنتاجية تفوق حجم الاستغلال الفعلي؟
ما حجم الفارق بين سعر المصنع وسعر البيع النهائي؟ ومن يستفيد من هذا الفارق؟
هل تخضع شبكات التوزيع ونقاط البيع الصغيرة للمراقبة الجبائية والتجارية بالصرامة نفسها؟
هل توجد قاعدة بيانات وطنية تسمح بمقارنة أسعار الإسمنت حسب النوع والجودة والمنطقة وتاريخ البيع؟
وما الإجراءات التي اتخذتها السلطات لمعالجة الاختلالات المرتبطة بالفواتير غير المطابقة لمعاملات حقيقية؟
إن قطاع الإسمنت ليس مجرد نشاط صناعي عادي، بل هو أحد المفاتيح الأساسية لكلفة السكن والاستثمار والبنية التحتية. ولذلك فإن حماية المنافسة والشفافية داخله ليست مسألة تخص الشركات وحدها، وإنما ترتبط مباشرة بالقدرة الشرائية للمواطن وبكلفة المشاريع الاقتصادية والاجتماعية.
والرهان اليوم هو أن تنتقل مراقبة هذا القطاع من الاكتفاء بتتبع حجم الإنتاج والاستثمارات إلى مراقبة حقيقية لمسار الأسعار وهوامش الأرباح وقنوات التوزيع، بما يضمن التوازن بين مصالح المستثمرين وحقوق المستهلكين، ويجعل المنافسة واقعاً ملموساً في السوق وليس مجرد مقتضى قانوني.






