الملك يضع خارطة طريق ما بعد المينورسو: وقف إطلاق النار التزام ثابت والسيادة الوطنية خط أحمر

الدار/ نعيمة اخزان
في تحول جديد يطبع مسار قضية الصحراء المغربية، تتجه المملكة نحو تدبير مرحلة ما بعد بعثة الأمم المتحدة «المينورسو»، بعد انتهاء مهمتها التي امتدت لنحو 35 عاماً، في سياق دبلوماسي وسياسي تعزز خلال السنوات الأخيرة لصالح الموقف المغربي، وتكرس معه مقترح الحكم الذاتي باعتباره الإطار السياسي الجدي والواقعي لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
وفي هذا الإطار، ترأس الملك محمد السادس، يوم الأربعاء، اجتماع عمل رفيع المستوى خُصص لتدارس مستجدات القضية الوطنية واستشراف الترتيبات المرتبطة بالمرحلة المقبلة، بحضور رئيس الحكومة ومستشار الملك والفريق أول المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، في مؤشر على الأهمية الاستراتيجية التي توليها الدولة لهذا التحول، وحرصها على مواكبة تداعياته بمقاربة مؤسساتية متكاملة.
وحمل الاجتماع رسائل واضحة بشأن ثوابت الموقف المغربي، وفي مقدمتها التشبث الكامل بالسيادة الوطنية والوحدة الترابية، وضمان أمن واستقرار المملكة، مع التأكيد على أن انتهاء ولاية البعثة الأممية لا يعني بأي شكل من الأشكال تغيير التزامات المغرب الدولية، خصوصاً ما يتعلق باحترام وقف إطلاق النار.
وأكد الملك محمد السادس أن التزام المملكة بوقف إطلاق النار يظل قائماً بإرادتها واختيارها، ولن يتأثر بانتهاء مهمة المينورسو، في تأكيد على أن المغرب يميز بين التزاماته الدولية الثابتة وبين انتهاء الإطار المؤسساتي الذي ارتبط، لسنوات، بتدبير هذا الملف الأممي.
وفي المقابل، أعطى العاهل المغربي تعليماته بضرورة مواصلة متابعة التطورات المرتبطة بالقضية الوطنية بكامل اليقظة والحزم، مع جعل حماية الوحدة الترابية وصيانة الأمن الوطني وطمأنينة المواطنين، وخاصة سكان الأقاليم الجنوبية، في صدارة الأولويات.
وتعكس هذه التوجيهات توجهاً نحو الانتقال من مرحلة ارتبطت بوجود بعثة أممية طويلة الأمد إلى مرحلة جديدة تستند إلى الثوابت الوطنية، والتراكم الدبلوماسي الذي حققته الرباط، فضلاً عن مواصلة الأوراش التنموية الكبرى التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، باعتبار التنمية والاستقرار ركيزتين أساسيتين في ترسيخ الاندماج الاقتصادي والاجتماعي لهذه المناطق.
ومن أبرز القرارات التي خرج بها الاجتماع، تكليف مكتب التنسيق مع المينورسو، التابع لوزارة الداخلية، بمواكبة عملية إنهاء مهام البعثة والإشراف على الجوانب التنسيقية المرتبطة بتصفيتها وانسحابها، بما يضمن مرور هذه العملية في ظروف منظمة وسلسة، ويحافظ على احترام الإجراءات والالتزامات ذات الصلة.
ويأتي هذا الترتيب في أعقاب التطور الذي شهده مجلس الأمن الدولي، بعدما تعذر اعتماد مشروع القرار الأمريكي الرامي إلى تمديد ولاية البعثة، إثر استخدام روسيا حق النقض، الأمر الذي حال دون تجديد مهمتها، وفتح الباب أمام إنهاء وجودها بعد أكثر من ثلاثة عقود ونصف من العمل في المنطقة.
وكان المشروع الأمريكي يتضمن تمديد مهمة المينورسو لسنة إضافية، مع إعطاء موقع متقدم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية ضمن مسار البحث عن تسوية سياسية، وهو ما عكس بدوره التحول الذي عرفته المقاربة الدولية للنزاع، في ظل تزايد الدول الداعمة للموقف المغربي واعتراف عدد من القوى المؤثرة بسيادة المملكة على صحرائها.
وفي هذا السياق، استحضر الملك محمد السادس خلال الاجتماع المحطات البارزة التي عرفتها القضية الوطنية، وما راكمته الدبلوماسية المغربية من مكاسب واعترافات دولية، فضلاً عن اتساع دائرة التأييد لمبادرة الحكم الذاتي، التي باتت تحظى بمكانة متقدمة باعتبارها الحل السياسي الواقعي والجاد والقابل للتطبيق، القادر على وضع حد لنزاع إقليمي طال أمده.
ولم يقتصر التوجه الملكي على الجانب الدبلوماسي والمؤسساتي، بل شمل أيضاً التأكيد على ضرورة مواصلة تنفيذ المشاريع المهيكلة والبرامج التنموية بالأقاليم الجنوبية، بما يعزز فرص الاستثمار ويطور البنيات التحتية والخدمات، ويضمن استفادة الساكنة المحلية من ثمار النموذج التنموي الذي أطلقته المملكة لهذه المناطق.
كما شدد الاجتماع على أن احترام المغرب لالتزاماته الدولية يندرج ضمن عقيدته الدبلوماسية القائمة على تغليب الحلول السلمية، وصون الاستقرار، والمساهمة في جهود إحلال السلام، دون التفريط في الحقوق الوطنية أو المساس بالسيادة المغربية.
ويبدو أن الرسالة الأساسية التي حملها الاجتماع الملكي تتمثل في أن الرباط تتعامل مع انتهاء مهمة المينورسو باعتباره منعطفاً مؤسساتياً يستدعي إعادة ترتيب آليات تدبير الملف، وليس مناسبة للتراجع عن الالتزامات أو الدخول في حالة من عدم اليقين. فالمغرب يؤكد استمراره في احترام وقف إطلاق النار، بالتوازي مع تمسكه بوحدته الترابية ومواصلة الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية الحل السياسي.
وبذلك، تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة عنوانها تعزيز المكتسبات الدبلوماسية، وترسيخ السيادة الوطنية، ومواصلة التنمية بالأقاليم الجنوبية، في انتظار أن تترجم التحولات الدولية المتراكمة إلى تسوية سياسية نهائية تنهي أحد أقدم النزاعات الإقليمية في المنطقة.





