المواطن

مدن تبوح بأسرارها.. استطلاعات يكتبها لـ”الدار” طلحة جبريل (الحلقة الأولى): الصويرة.. روح المغرب المتنوعة

طلحة جبريل 

الصويرة هي "موكادور". يطلق عليها السياح "مدينة الرياح ". مدينة تجد فيها كل شيء : البحر والغابة والصحراء، والصخور والخضرة . مدينة الشمس والرياح والتاريخ والسياحة الممتنعة.

حملت الصويرة إسم "موكادور" وهو اسم برتغالي يعني المدينة المحصنة، ثم أصبح أسمها "الصويرة" وتعني المدينة "جيدة التصميم".

كانت الصويرة قبلة الهيبيين في الستينيات والسبعينيات إلى حد أن أول مطعم للأكلات السريعة (فاست فوود)  فتح أول فرع له في الصويرة، وكان من سلسلة مطاعم "ويمبي" الإنجليزية.

أصبحت في السنوات الأخيرة قبلة للشباب الأوروبي والأميركي الباحثين عن "ذكريات" تلك الحركة الاحتجاجية التي اكتسحت العالم في " لحظة غضب" شبابي.  

 في السنوات الأخيرة بالتزامن مع مهرجان كناوة، راح زوار المدينة من الشباب مغاربة وأجانب يعبرون صراحة عن رفضهم لظاهرة "التزمت "، سواء في ملابسهم أو طريقة تصفيف الشعر، خلال هذه السنة برزت من جديد ظاهرة "الوشم" على أذرع وأكتاف وبطون وظهور، عدد كبير من زوار المدينة من الذكور والإناث .

يتنوع الوشم، هناك من يرسم صور بعض الموسيقيين أو الرياضيين، في حين إختار آخرون شخصيات الرسوم المتحركة. بعضهم إختار الطحالب والنباتات، بعض الشباب إختاروا أبطال الرياضة أو كل ما يرمز للفحولة .

أسس "موكادور" الملك  سيدي محمد بن عبد الله عام 1764، لتسهيل عملية التبادل التجاري بين أفريقيا وأوربا، هذا الأسم أعاده مهرجان كناوة إلى الذاكرة من جديد.

أصبحت الصويرة المدينة التي تعيش وتقتات من البحر نقطة تلاقي للسياح القادمين من أوروبا وأميركا وأفريقيا .

يقول أحد التشكيلين من أبناء المدينة  "الصويرة  تجمع بين المتناقضات، يعيش فيها عشرات من الرسامين  التشكيليين ومن متناقضات المدينة يستلهمون لوحاتهم "  

في ساحات مفتوحة على" الرياح والبحر"  نظمت هذه السنة فقرات  مهرجان موسيقى "كناوة " .

خلال أيام المهرجان الثلاثة احتشد مغاربة  وسياح في الساحات بحيث لم يعد هناك موطئ قدم،إلى حد إذا نثرت ملحاً سيبقى فوق الرؤوس.

فوق كل مسارح المهرجان ، تصعد فرق كناوة الى الخشبة تقرع طبولها وتتلاعب بالآلات نحاسية. ويعزف  قائد الفرقة على آلة " الهجليج"وهي آلة وترية من جلد الماعز. آلة أفريقية مائة بالمائة. الآلات النحاسية  تخرج منها رنة طرب، وتلامس نغمات الهجليج شغاف القلوب.أنغام موسيقى كناوة أفريقية مائة بالمائة، موسيقى حزينة لكنها صاخبة أحيانا، كأنها تحكي عن آلام الأفارقة خلال فترة العبودية .

مهرجان من الفرح والانشراح.

في الأمسيات تعيش كل الصويرة على إيقاع موسيقى كناوة .

كناوة في المدينة العتيقة.

كناوة في الشارع الرئيسي بمحاذاة البحر حيث يناجي العشاق عشيقاتهم.

كناوة في الساحات.

كناوة في الأزقة.

كان الجميع يقولون "كناوة يا كناوة”.

في الساحات يتعالى صفير الجمهور، والصياح طرباً.

هل شاهدتم مرة جمهور يصرخ الى حد العويل من الطرب. ذلك كان حال جمهور الصويرة . بل قل جمهور "موكادور" التي تستعيد تاريخها، و تسعى لإستقطاب سياحاً.

هناك "لازمة" في جميع أغاني كناوة تتحدث عن "السودان" الذي تعود إليه هذه الموسيقى. لكن هذا "السودان" لا علاقة  له بالسودان الحالي" بل يتعلق الأمر في  الذاكرة الشعبية بمنطقة غرب أفريقيا حيث  يتحدر جدود جاؤوا الى المغرب في زمن كانت فيه العبودية تجارة مربحة.

عبودية تجعل من الناس تباع وتشترى في الأسواق . موسيقى كناوة نغم حزين لأنه يعبر عن حزن دفين . دلالات اللون غير خافية ودلالات الحنين الى الأصول غير خافية أيضاً.

في زمن مضى كان يرتفع في شوارع الصويرة القديمة صوت " المعلم محمود غينيا ". نغمات حزينة وكلمات ممزوجة بألفاظ أفريقية. وإيقاع يهزك ويزلزل كيانك .هذه السنة كان الصوت الأبرز صوت " المعلم عمر حياة" تلميذ المعلم محمود غينيا.

نذهب نحو البحر .

قرب الميناء بحارة أعياهم البحر وفضلوا أن يعملوا في تنظيف السمك .

 تحوم فوق رؤوسهم طيور النورس البيضاء .

داخل الميناء كانت بعض مراكب وصلت للتو تحمل أنواعاً مختلفة من  الأسماك  . نساء بدينات يلتقطن بعض الأسماك وبيعهالاحقاً "للفقراء وأبناء السبيل".

البحارة أنهكهم السهر فوق مراكبهم. يخرجون عند المغيب ويعودون عصر اليوم التالي. أرزاقهم تحت الماء.

نعود إلى  أزقة الصويرة. المساء يسقط بغتة. والساحة تمتلئ بالبشر .

وطبول وصاجات كناوة  والهجليج تدق وترن.. وترن . 

الليل يزحف والصياح يتعالى .

كناوة .. يا كناوة .

الصويرة من مدن المغرب الفريدة فهي لا عربية ولا أمازيغية. في شمالها تعيش قبائل الشياظمة العربية وهي لفظة تعني "الكرماء" وفي جنوبها قبائل "حاحا" الأمازيغية.

اما الصويرة نفسها فهي خليط من الأمازيغ والعرب وقلة من اليهود. بل هي كانت واحدة من عواصم اليهود الى جانب دمنات وصفرو.

الصويرة هي المدينة الوحيدة التي يوجد فيها "ملاحان"، يطلق عليهما سكان المدينة "الملاح القديم" الذي لم يعد فيه يهود ثم "الملاح" تضم مدينة الصويرة العديد من المعابد اليهودية (سينقوق)  لكن يبقى أجملها كنيس "سيمون أتياس" الذي يعد ثاني أكبر معبد يهودي في المغرب. شيد في أواخر القرن التاسع عشر، من طرف أحد التجار اليهود الذي أطلق عليه اسمه.

نقرا في كتاب "ايقاظ السريرة في تاريخ الصويرة" لمؤلفه محمد بن سعيد الصديقي وهو والد المسرحي  الراحل الطيب الصديقي، أن الصويرة شيدت في القرن الثامن عشر في عهد السلطان محمد بن عبد الله، وهو من ملوك العلويين الأفذاذ. وساهم في تخطيط المدينة أحد المهندسين الفرنسيين كان معتقلا لدى سلطان المغرب.

تعرضت الصويرة كثيرا لهجمات قراصنة البحر. لذلك أحاطت نفسها بأسوار عالية وحصون عاتية تقيها هجمات القراصنة وغضب البحر أحياناً. 

من هنا تطل فوهات المدافع القديمة من حفر الحصون.

نترك التاريخ جانبا ونتحدث عن الحاضر.

يقول المغاربة ان الصويرة ظلمها جيرانها، فهي قريبة من اكادير المدينة المشرقة، والتي تعد مقصد السياح الاروبيين صيفا وشتاء. وغير بعيدة عن مراكش.. وما أدراك ما مراكش، مدينة تعد بحق معدة المغرب التاريخية، مدينة هضمت أشياء لا تحصى ولا تحصر، لذلك كانت بدورها قبلة السياح.

اما الصويرة فهي بقية ذكريات وبعض الرياح العاتية، وكثير من الشمس واكلات السمك المتميزة، لكن حظها مع السياحة متعثر، يوجد فيها فندق واحد يصلح للإسترخاء الحقيقي.

  المتحف الوحيد مغلق ، وكان المكتب السياحي قد أوصد  أبوابه قبل سنوات دون تقديم إيضاحات.لم يبق للمدينة سوى اجترار الذكريات، ولسكانها سوى التطلع نحو البحر الذي يحيط بها من ثلاثة جوانب، ينتظرون الخير مع مراكب الصيادين وطيور النورس.

على ذكر البحر وإحاطته بالمدينة. فلا بد أن زائر الصويرة ستلفت انتباهه بعض الجزر قبالة شاطئ الصويرة، شيدت على ارضها قلاع من احجار ضخمة. يقول الصويريون أن تلك الجزر كانت قبل عقود طويلة مكاناً لنفي عتاة المجرمين، اما الان فهي بقايا تاريخ وآثار.

إذا جئت الصويرة لابد ان تدخل "المدينة القديمة" بأزقتها الملتوية والرطبة.

هناك تسمع صوت أمواج البحر ولا تراها. هناك تجد الصويرة الحقيقية، حوانيت متراصة وصناع مهرة،ومنازل بنيت مداخلها بكيفية هندسية بديعة.

تدخل احد الحوانيت المتلاصقة الى لنكتشف كيف يتم تطويع خشب العرعر ليصبح، أواني للطبخ وصناديق لحفظ الملابس وثالثة لتزيين الاركان، مزهريات خشبية ونقوش بديعة، وصناع يمضون نهارهم وجزءا من المساء، في صناعة خشبية طافت جميع أنحاء العالم من خلال المعارض التي نظمت للصناعات التقليدية المغربية.

الصويرة تعيش من العرعر إذن.

مع الخشب هناك الفضة التي تصنع منها الحلي لتتزين بها نساء الصويرة، وكذلك الأخريات، اللائي يأتين إلى المدينة.برع الصويريون في نقش الفضة، و "الدقة الصويرية" ظلت معروفة للمغاربة جميعا، ولغيرهم كذلك ويقول اهلها اذا لم تضع المرأة الصويرية أقراط "ريكاداس" في أذنيها المصنوعة من الفضة فهي لم تلبس شيئاً.

حين تتجول كثيرا، في الصويرة وبسبب هواء البحر المنعش، ستجد ان معدتك بدأت تتكلم، وإذا تكلمت معدتك في الصويرة فانت محظوظ لان الطبخ الصويري لذيذ.. لذيذ جداً.

هنا ستأكل ماطاب ولذ من خيرات البحر. واذا جئت الصويرة لابد ان تسأل عن طاجين السمك "ازمزا" او "الشرن" او "اسيغاغ" وما عليك الا ان تحفظ هذه الاسماء جيداً.

اما اذا لم تكن من الذين يحبوا أكل السمك فعليك بالطاجين الصويري، وهو يتكون من دجاج وبيض ينثر فوقه كثير من اللوز. ولا اعرف كيف اصفه لكم لان الاكل يؤكل ولا يوصف.

الصويرة بأسوارها العالية وحصونها التي تبرز منها فوهات مدافع قديمة، هي مدينة الرسامين، هناك عشرات الرسامين التشكيليين المغاربة يتحدرون اصلا من الصويرة.

الصويرة اذن مدينة التأمل.

ليس ذلك فحسب بل هي كذلك مدينة الموسيقى، وابرز شعراء الملحون جاؤوا من الصويرة.

لا تخلو الموسيقى الصويرية من مؤثرات افريقية، لذلك توجد فيها عدد كبير  من فرق "كناوة" التي تعتمد الإيقاع الأفريقي.

في زمن مضى  خطرت فكرة لابن الصويرة المسرحي الراحل الطيب الصديقي:

لماذا لا تتحول الى مدينة للمهرجانات الموسيقية.

وقد كان. نظم الصديقي مهرجانا في المدينة أطلق عليه اسم "الموسيقى اولا" لكنه لم يستمر سوى دورتين.

الصويرة مدينة لا مثيل لها في المغرب.

مدينة شيدت في عصر القوافل والمراكب التي تجوب البحار. الآن ارتفعت فوق مينائها شباك الصيادين بألوانها الزاهية، وفوقها طيور البحر، ومن حظ الصويرة أن أمواج البحر العاتية لم تعد تضرب شواطئها بل بات يصلها تيار بحري دافئ، مما جعلها ملجأ الاسماك المتنوعة ، ويقال انها المدينة التي تبيض قرب شواطئها ملايين الاسماك بسبب التيار الدافئ.

لذلك يرى المغاربة أن مستقبل الصويرة مع السمك قبل السياحة.

الصويرة هي روح المغرب المتنوعة، ومدينة الشمس والرياح، وكثرة التاريخ ..والسمك أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

19 − 19 =

زر الذهاب إلى الأعلى