الرياضةسلايدر

المغرب أكبر من استفزازات بغداد بونجاح

الدار/ زكريا الجابري

لم يكن ما صدر عن بغداد بونجاح، عقب فوز المنتخب الجزائري على الكونغو الديمقراطية في دور الثمن، مجرد لحظة حماس زائدة أو انفعال عابر، بل سلوكاً محسوباً أساء قبل كل شيء إلى معنى الانتصار نفسه. ففي الوقت الذي احتضن فيه ملعب مولاي الحسن بالرباط المباراة في ظروف تنظيمية مثالية، اختار اللاعب الجزائري أن يوجّه استفزازات مباشرة للجماهير المغربية، متناسياً أن الأرض التي يقف عليها مغربية، وأن المدرجات التي خاطبها بإشاراته غير اللائقة لم تكن طرفاً في المباراة ولا خصماً داخل المستطيل الأخضر.

المغرب، الذي فتح ملاعبه وفضاءه الرياضي لاحتضان المنافسات القارية بروح المسؤولية والانفتاح، لم يكن مطالباً بأن يتحمّل نزوات لاعبين يخلطون بين الاحتفال المشروع والتطاول غير المقبول. فالفوز يُحتفل به بالأداء والنتيجة، لا بتحويل لحظة رياضية إلى استعراض استفزازي يبحث عن التصفيق خارج حدود الروح الرياضية.

المفارقة الصارخة أن الجماهير المغربية، ورغم عدم معنيتها بالمواجهة، تعاملت مع المباراة بهدوء، ولم تصدر عنها أي سلوكات عدائية أو استفزازية. ومع ذلك، وجد بونجاح نفسه في حاجة إلى افتعال خصم وهمي، موجهاً إشارات لا تليق بلاعب دولي يفترض فيه أن يكون قدوة، لا شرارة فتنة رياضية عابرة للحدود.

هنا يتأكد الفارق الجوهري بين المغرب كدولة ومجتمع رياضي، وبين تصرف فردي ضيق الأفق. المغرب انتصر تنظيمياً وأخلاقياً، حين وفّر الأمن والاحترام والحياد، وحين حافظ جمهوره على رقيّه، بينما خسر بونجاح كثيراً من صورته وهو يختار لغة الاستفزاز بدل لغة الاحتراف. فالملعب قد يكون شاهداً على أهداف وانتصارات، لكنه أيضاً مرآة للسلوك، وفي هذه المرآة لم يبدُ المشهد مشرفاً للاعب اختار أن يسيء بدل أن يحتفل.

إن ما وقع يعيد طرح سؤال المسؤولية على عاتق اللاعبين، خاصة في فضاء مغاربي حساس، حيث كلمة أو إشارة قد تتحول إلى وقود لصراعات افتراضية لا تخدم أحداً. غير أن المغرب، مرة أخرى، أثبت أنه أكبر من الاستفزازات الصغيرة، وأوعى من الانجرار إلى منطق الرد بالمثل. فالانتصار الحقيقي لا يُقاس بردود الفعل الغاضبة، بل بالقدرة على ضبط النفس وترسيخ صورة بلد يحترم نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالاحترام.

قد تمر نتيجة المباراة في سجلات البطولة، وقد يواصل المنتخب الجزائري مشواره، لكن الثابت أن المغرب خرج منتصراً في امتحان القيم. انتصر بهدوء جماهيره، وبرقي تنظيمه، وبقدرته على الفصل بين الرياضة والضغائن. أما الاستفزاز، فسيبقى مجرد سلوك عابر، يسقط أصحابه في أول اختبار للأخلاق الرياضية.

زر الذهاب إلى الأعلى