
لم يعد النقاش حول التفوق العسكري المغربي حبيس منطق التوازن العددي أو المقارنات الكلاسيكية، بل بات يندرج ضمن تحول نوعي في فلسفة بناء القوة، قوامه الوعي بأن الحروب الحديثة لا تحسم بكثرة السلاح، بل بذكاء المنظومة العسكرية والإستخباراتية وتكامل التكنولوجيا المتطورة وحسن إدماج القوة في رؤية سياسية وأمنية شاملة. فالمغرب لا يراكم العتاد بقدر ما يراكم المعنى الإستراتيجي لإستخدامه بما يضمن أمنه القومي.
لقد نجحت القوات المسلحة الملكية في الإنتقال من عقيدة دفاعية تقليدية إلى نموذج متقدم يقوم على الردع الذكي، سنده منظومات تسليح عالية الدقة، وقدرات متطورة في الإستطلاع والمراقبة، وتكامل متزايد بين القوات البرية والجوية والبحرية. ويبرز في هذا السياق التطور اللافت في مجال التكنولوجيا الحربية، وعلى الخصوص ما تعلق منها بالأنظمة الصاروخية الدفاعية، والطائرات المقاتلة متعددة المهام، ومنظومات القيادة والسيطرة، بما يسمح بإدارة المعركة في الزمن الحقيقي، وتقليص هامش المفاجأة إلى أدنى مستوياته.ففي سلاح الجو، يشكل تحديث أسطول F-16 إلى معيار F-16V Viper نقلة نوعية، بما يوفره من رادارات متقدمة من نوع AESA، وقدرات حرب إلكترونية، ودمج ذكي للأسلحة الموجهة بدقة، بما يسمح بتنفيذ مهام متعددة في بيئات عملياتية معقدة. ويتعزز هذا التفوق باقتناء مروحيات AH-64E Apache Guardian، كما إتجه المغرب نحو بناء مظلة متعددة الطبقات، من خلال إدماج منظومات دفاع جوي وصاروخي متوسطة وبعيدة المدى عالية الإعتمادية، قادرة على التعامل مع تهديدات متنوعة، من الطائرات إلى الصواريخ الجوالة والمسيرات، مع ربطها بشبكات رصد وإنذار مبكر متطورة، وهو ما يعزز مفهوم الردع الوقائي ويقلص قابلية التسللات العدائية المفاجأة. أما في القوة البرية فيندرج إدخال منظومات المدفعية الصاروخية عالية الحركة HIMARS ضمن منطق الضربات الجراحية، القادرة على تغيير ميزان المعركة في عمق مسرح العمليات، مع مرونة عالية في الإنتشار وسرعة في اتخاذ القرار، ما ينسجم مع عقيدة الحروب السريعة منخفضة الكلفة البشرية.
وفي ميدان الحرب غير المتماثلة، باتت الطائرات بدون طيار ركيزة مركزية في المنظومة القتالية، سواء تعلق الأمر بالمسيرات القتالية أو مسيرات الاستطلاع والمراقبة بعيدة المدى. وقد أتاح إدماج هذه الوسائط، إلى جانب أنظمة القيادة والسيطرة C4ISR، إدارة متقدمة للمعركة في الزمن الحقيقي، وربط مختلف الوحدات البرية والجوية والبحرية ضمن شبكة واحدة لتبادل المعطيات الإستخباراتية والعملياتية.
وعلى المستوى القوات البحرية، عززت البحرية الملكية قدراتها عبر فرقاطات متعددة المهام مجهزة بأنظمة رصد وتسليح متطورة، بما يؤمن العمق البحري للمملكة، ويحمي الممرات الإستراتيجية، ويمنح المغرب قدرة معتبرة على العمل ضمن تشكيلات بحرية مشتركة في إطار الأمن الإقليمي والدولي.
ولم يعد مجال الدفاع الوطني يقتصر على كل جديد سوق السلاح، بل أصبح جزء من تعاون صناعي وتقني مع شركاء دوليين، فتح آفاق نقل المعرفة وبناء قاعدة وطنية للتصنيع العسكري المتطور والدقيق. وهنا يكتسي التعاون الميداني الدولي بعد إستراتيجي يتجاوز التمارين الظرفية. فمناورات الأسد الإفريقي بمختلف نسخها لم تعد مجرد تدريبات مشتركة، بل تحولت إلى مختبر عملياتي ميداني سخرت له البنية التضاريسية الوعدة ومنها التضاريس الصحراوية، كالعمليات العالية الدقة التي شهدتها طانطان والمحبس، حيث ثم إختبار العقيدة القتالية مع التكنولوجيا المتطورة، تجربة ميدانية تصقل فيه الجندي المغربي قابلية العمل المشترك مع جيوش تنتمي إلى مدارس عسكرية متقدمة. إن إنتظام هذه المناورات، وإتساع دائرة الدول المشاركة فيها، يعكسان موقع المغرب كفاعل أمني موثوق قادر على إستيعاب المعايير العملياتية لحلفاء إستراتيجيين والتفاعل معها بمرونة وكفاءة.
إن انخراط المغرب في عمليات مشتركة مع العديد من الدول الصديقة، سواء في مجالات حفظ الإستقرار أو محاربة التهديدات العابرة للحدود، الأمر الذي كرس صورته كقوة إقليمية مسؤولة، لا توظف تفوقها العسكري خارج إطار الشرعية الدولية بل تجعله رافعة للأمن الجماعي. وهو ما يمنح حضوره العسكري بعدا دبلوماسيا موازيا، حيث تتحول القوة إلى لغة تفاوض وإلى عنصر ثقة في العلاقات الدولية. مما يصبح معه إستشراف إنضمام المغرب إلى حلف شمال الأطلسي، أو إلى أحلاف عسكرية دولية وازنة أمر لا يقرأ بمنطق المفاجأة، بل كنتيجة طبيعية لمسارعسكري تراكمي. فالمملكة التي إستوفت شروط الشراكة المتقدمة، من جيش محترف و إستقرار سياسي و عقيدة دفاعية واضحة، وقدرة على التفاعل مع متطلبات الأمن الجماعي دون الإرتهان لمنطق التبعية، وحتى إن لم يتحقق الانضمام فإن الاندماج الوظيفي والعملياتي بات واقع ملموس.
ختاما، إن المغرب لا يبني قوته العسكرية ليخيف محيطه، بل ليقنعه. ولا يراكم التكنولوجيا العسكرية ليشهرها، بل ليمنع إستخدامها إلا عند الضرورة القصوى، في عالم تتآكل فيه “المناطق الرمادية” وتتصاعد فيه التهديدات المركبة، فالنموذج المغربي يقدم قراءة مختلفة لمعنى القوة، قوة محسوبة و هادئة و ذات بعد إستشرافي ترى في السلاح وسيلة لصناعة الإستقرار، لا وقود للفوضى ودعم النزاعات. هكذا لا يصبح التفوق العسكري غاية في ذاته، بل أداة عقلانية لإدارة المستقبل وحماية السيادة والمساهمة في أمن إقليمي ودولي أكثر توازن وإستقرار.
د/ الحسين بكار السباعي
خبير إستراتيجي ومحلل سياسي .






