
أحمد البوحساني
بعد إسدال الستار على كأس أمم إفريقيا بالمغرب، وهي النسخة التي أجمعت مختلف التقارير الدولية على أنها الأفضل تنظيماً في تاريخ المسابقة، خرج المتابع المغربي بخلاصة واحدة لا تقبل التأجيل: المغرب يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى قوة إعلامية متكاملة.
ليست المسألة ترفاً، ولا مطلباً ظرفياً مرتبطاً بخيبة رياضية عابرة، بل ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات العميقة التي عرفها مفهوم الإعلام في العالم. فهو لم يعد مجرد ناقل للأحداث أو موثق للنتائج، بل أصبح قوة ناعمة تصنع النفوذ، وتبني السرديات، وتحدد صورة الدول في وعي الشعوب.
يملك المغرب اليوم كل مقومات قصة نجاح كبرى:
بنية تحتية رياضية حديثة، تنظيم محكم، منتخب وطني محترم قارياً ودولياً، ورأسمال رمزي راكمه البلد خلال العقدين الأخيرين. لكن، للأسف الشيء المؤلم والذي يفرض نفسه: إعلام ضعيف، مشتت، وغائب عن معركة التأثير.
لا يمكن لدولة تطمح إلى مخاطبة القارة والعالم أن تكتفي بقناة رياضية واحدة تعيش في غيبوبة ، بلا محتوى نوعي، ولا برامج يومية مؤثرة، ولا ضيوف يضيفون قيمة تحليلية وخطاباً متزناً. ولا بإذاعة واحدة لا يتجاوز صداها الحدود الوطنية. – لايمكن- لأن التأثير يحتاج عدداً، و يحتاج قبل ذلك قيمة مضافة، ورؤية، وانتظاماً في الخطاب.
في كأس أمم إفريقيا، لم يخسر المغرب رياضياً فقط، بل خسر منذ البداية معركة إعلامية كانت أهم من النتيجة داخل الملعب. معركة حُسمت ببروباغندا ممنهجة، وخطاب مظلومية، وتضخيم للأكاذيب، نجح – للأسف – في جعل جزء مهم من الرأي العام الإفريقي يصدق ويردد رواية واحدة.
والأخطر أن من ذلك ان جزء من الإعلام الوطني، حتى في برامجه الرياضية القليلة، فضّل تفادي الخوض في القضايا الجوهرية، مكتفياً بتحليل تقني لمباريات ومعطيات يعرفها الجميع.
لكن السؤال الجوهري ظل معلقاً: أين الرد؟ أين تفكيك الروايات الزائفة؟ أين مواجهة حملات التضليل؟
للاسف ، تركنا الساحة فارغة… فملأها الآخرون.
ما حدث في “كان” المغرب ليس معزولاً. فخلال السنوات الأخيرة، كان المغرب هدفاً لحملات إعلامية متكررة، اختلفت السياقات وبقي المنطق واحداً.
بالعودة الى كأس العالم السابق ، ورغم أن الحملة كانت هامشية ولم تنجح في فرض نفسها على السردية العامة، إلا أنها كانت ممنهجة، وقادتها أبواق من بلد جار، في محاولة للتشويش على إنجاز غير مسبوق. بعد ذلك ، تكرر نفس السيناريو في كأس إفريقيا بالكوت ديفوار .
ورغم أن تنظيم كأس إفريقيا بالمغرب حظي، بشهادة العدو قبل الصديق، وباعتراف الصحافة الدولية ووسائل الإعلام العالمية، بإشادة واسعة، إلا أن ذلك لم يمنع تعرضنا لحملة إعلامية شرسة، شاركت فيها صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، ومنابر معروفة الجهة التي تمولها، وبلغت حد خطاب كراهية بغيض.
الأكثر خطورة أن هذه الحملة لم تقتصر على “أعداء تقليديين”، بل انخرطت فيها، عن وعي أو بدونه، أطراف رياضية وإعلامية من داخل القارة. بداية من مدرب جنوب إفريقيا، ثم المصري حسام حسن ، ثم المدرب والجامعة السنغالية لكرة القدم التي تبنت في الختام جزء كبير من الحملة الممنهجة.
اليوم، نحن أمام لحظة تأمل ضرورية. هذا الاستهداف لن يتوقف، ويجب التعامل معه كأمر واقع، لا بعقلية ردّ الفعل، بل بمنطق البناء الاستراتيجي طويل النفس.
نحن اليوم في حاجة إلى إعلام إعلام مهني، حر ومسؤول، قادر على الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى بلغة عقلانية ومقنعة.
الأكيد، انه كما نجح المغرب في بلورة استراتيجيات واضحة في قطاعات حيوية، من بينها كرة القدم بعد الرسالة الملكية الموجهة إلى المناظرة الوطنية للرياضة سنة 2008، آن الأوان لبلورة استراتيجية إعلامية وطنية، قائمة على الرؤية، والاحتراف، والإيمان العميق بالإعلام كجبهة سيادية. فالمعركة اليوم ليست تقنية فقط ، بل وعي جماعي، واختيار استراتيجي.





