أخبار الدارأخبار دوليةسلايدر

المغرب والإمارات.. حين ينتصر الوضوح على الضجيج

الدار/ مريم حفياني

لم يكن افتتاح دولة الإمارات العربية المتحدة لقنصليتها بمدينة العيون في الرابع من نونبر 2020 خطوة دبلوماسية عادية تُسجَّل في أرشيف العلاقات الثنائية، بل لحظة فاصلة أعادت ترتيب ميزان المواقف في ملف الصحراء المغربية، ونقلت الدعم العربي من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى القرار السيادي الملموس. فمنذ ذلك التاريخ، دخلت القضية مرحلة جديدة قوامها الوضوح والالتزام، وهو ما جعل الموقف الإماراتي يتحول إلى عنوان إقليمي لدبلوماسية مسؤولة لا تساوم في قضايا السيادة ولا تختبئ خلف العبارات الرمادية.

هذا التحول النوعي هو ما يفسّر، في عمقه، الهجوم المتواصل الذي تشنه الدعاية المرتبطة بالنظام العسكري الجزائري على أبوظبي. فالإمارات لم تكتفِ بإعلان دعمها لوحدة المغرب الترابية، بل جسّدت هذا الدعم على الأرض، في تناغم استراتيجي مع رؤية الملك محمد السادس، التي تقوم على ترسيخ السيادة عبر التنمية والانفتاح والشراكات الدولية. وهو ما جعل من مدينة العيون، بما تحمله من رمزية سياسية وتنموية، فضاءً لإعلان موقف لا يقبل التأويل ولا المزايدة.

لقد أربك هذا الخيار الإماراتي حسابات الجزائر الرسمية، التي ظلت تراهن لعقود على إبقاء النزاع مفتوحًا داخل دائرة الغموض العربي، مستندة إلى خطاب إيديولوجي تجاوزه الزمن، ولم يعد يجد صدى داخل المنتظم الدولي. ومع كل خطوة عملية تُعزّز مغربية الصحراء، من افتتاح قنصليات إلى دعم متزايد لمبادرة الحكم الذاتي، يتعمّق مأزق النظام الجزائري الذي يجد نفسه معزولًا عن منطق الواقعية السياسية الذي بات يحكم مقاربة مجلس الأمن، كما عكسته القرارات الأممية المتتالية، وآخرها القرار 2797، الذي كرّس مرة أخرى أولوية الحلول الجدية وذات المصداقية.

في المقابل، يقدّم المحور المغربي-الإماراتي نموذجًا مغايرًا في إدارة القضايا الإقليمية، قائمًا على احترام سيادة الدول، وربط الاستقرار بالتنمية، والانتقال من الشعارات إلى الالتزامات الفعلية. فالعلاقات بين الرباط وأبوظبي ليست تحالف ظرف، بل شراكة استراتيجية عميقة، تتقاطع فيها الرؤى حول الأمن الإقليمي، والتكامل الاقتصادي، ودعم الدول الوطنية في مواجهة مشاريع الفوضى والنزاعات المفتعلة.

والمفارقة اللافتة أن الحملة الجزائرية ضد الإمارات تتجاهل عمدًا حقيقة أن أبوظبي لم تكن يومًا مصدر تهديد أو خصومة للجزائر، بل كانت شريكًا اقتصاديًا مهمًا، استثمر مليارات الدولارات في قطاعات حيوية كالموانئ والتجارة والخدمات. غير أن منطق النظام العسكري، الذي يُخضع السياسة الخارجية لهاجس الصراع بدل منطق المصالح، حوّل هذا الرصيد من التعاون إلى مادة للإنكار والعداء، في سلوك يعكس أزمة بنيوية في قراءة التحولات الإقليمية والدولية.

إن ما يزعج الجزائر اليوم ليس القنصلية في حد ذاتها، بل الرسالة التي تحملها: رسالة مفادها أن مغربية الصحراء لم تعد موضوع نقاش نظري، بل واقعًا سياديًا تعزّزه الدول المؤثرة عبر قرارات واضحة، وأن منطق الدعم الصريح بات أكثر وزنًا من خطاب العداء المتكلس. وفي هذا السياق، يظهر المغرب واثقًا من مساره، مدعومًا بتحالفات متينة، وبمبادرة سياسية تحظى بتقدير دولي متزايد، وبحضور ميداني جعل من أقاليمه الجنوبية نموذجًا للاستقرار والاستثمار.

هكذا تتكشف ملامح المشهد الإقليمي بوضوح: دول تبني سياساتها على العقلانية والالتزام والمسؤولية، كما هو حال المغرب والإمارات، وأخرى لا تزال أسيرة عقيدة عسكرية ترى في كل نجاح إقليمي تهديدًا، وفي كل شراكة صادقة مؤامرة. وبين النهجين، تحسم الوقائع اتجاهها بهدوء، لصالح من اختار السيادة ممارسةً، لا شعارًا، والاستقرار خيارًا استراتيجيًا، لا ورقة للمزايدة.

زر الذهاب إلى الأعلى