
تندرج اليوم مفاوضات مدريد ضمن مسار إستراتيجي دقيق وعميق، مسار جديد ينقل ملف الصحراء من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة حسم موازينها التي أكدها القرار 2797. فالنزاع المفتعل لم يعد قابلا للتدوير الدبلوماسي أو الإختباء وراء صيغ مفاهيمية مستهلكة، ولا حتى التأطير داخل سردية ما سمي بتصفية الاستعمار، والتي استهلكت دوليا وفقدت قدرتها على الإجماع و الإقناع. فالجلوس على طاولة واحدة و تحت رعاية أمريكية مباشرة وبحضور الأمم المتحدة، يؤسس لتحول نوعي في تعريف أطراف النزاع وحدود أدوارهم، وينقل الجزائر من موقع الإدعاء السياسي إلى موقع المساءلة القانونية، ويسقط وبشكل عملي فرضية “الغير معني” أو “الطرف الملاحظ” التي تمسكت بها لسنوات.
إن التحول الجوهري الذي كرسه لقاء مدريد يتمثل بالأساس في إنتقال النقاش من صراع حول المرجعيات إلى تدبير تقني للحل. فقبول الوثيقة المغربية حول التنزيل العملي لمقترح الحكم الذاتيو بصيغتها المحينة، كأساس وحيد للنقاش يشكل قطعا نهائيا مع منطق تعدد المقترحات الذي أستخدم في مراحل سابقة لإطالة أمد النزاع. فلم يعد السؤال المطروح هو مشروعية الحكم الذاتي من عدمها، بل كيفية تنزيله داخل إطار السيادة المغربية، وهو إنتقال من المجال الإيديولوجي إلى المجال التنفيذي الواقعي، حيث يمتلك المغرب مقومات التفوق المؤسساتي و القانوني الواضح والصريح، مقومات مدعومة بتراكمات دبلوماسية طويلة وشرعية ميدانية لا ينازعها أحد، والتي يكتسي فيها القرار الأممي 2797 دلالة إستشرافية خاصة، لأن قرار 31 أكتوبر 2025، لا يراهن فقط على إدارة الوقت بقدر ما يختبر الإرادات السياسية الحقيقية للأطراف المعنية بالنزاع. الجزائر التي تجد نفسها اليوم أمام معادلة غير مسبوقة، فإما أن تنخرط بشكل جدي في مسار تفاوضي واقعي يقود إلى حل سياسي نهائي، أو تتحمل تكلفة التعطيل في سياق دولي لم يعد يتسامح مع بؤر التوتر المصطنعة والمفتعلة، خاصة في منطقة شمال إفريقيا والساحل، والتي أضحت تتطلب العمل على إستقرارها كشرطا استراتيجي دولي لمعادلات أمنية وإقتصادية كبرى.
إن إحداث لجنة تقنية دائمة بإشراف أمريكي و أممي لا يمكن إعتباره مجرد إجراء إجرائي محايد، بل أنها تمثل ذلك الإنتقال التدريجي من منطق الوساطة الأممية التقليدية والتي إستنفدت جميع أدواتها، إلى منطق الرعاية السياسية الأمريكية. هذا التطور الذي يعكس قناعة واشنطن بأن إدارة النزاع عبر آليات أممية فضفاضة لم تعد مجدية، للانتقال من موقع الداعم إلى موقع الضامن، بما يرفع كلفة المناورة والتراجع، خصوصا بالنسبة للجزائر التي بنت إستراتيجيتها لعقود على كسب الوقت وإعادة إنتاج الجمود.
و الأهم في مخرجات مدريد يتمثل في الاتفاق الإجرائي على خارطة طريق مدريد واشنطن 2026، بما تتضمنه من أفق زمني للتوقيع على اتفاق إطار سياسي و لأول مرة يؤطر زمن مسار التفاوض تحت رعاية القوة الولايات المتحدة الأمريكية، لا ضمن مسار أممي مفتوح على التأجيل والتمطيط. هذا التطور الذي يحد من هوامش التعطيل التي مافتأت الجزائر تدفع بها، ويحول أي محاولة للعرقلة إلى عبئ سياسي مباشر على الطرف الذي يفتقر إلى بدائل واقعية. فمشهد مدريد يحمل في طياته رسائل عميقة و في أدق تفاصيلها البروتوكولية والتي حملت رسائل سياسية عميقة من خلال رفض الصورة الجماعية التي لم تكن مجرد إجراء شكلي، بل تعبير عن قلق جزائري من دلالاتها الرمزية السياسية، وإدراك منها بأن أي صورة مشتركة ستقرأ دوليا بأنها إعتراف ضمني بمركزية المغرب في الحل، وبإنتقال الجزائر من موقع الداعم الخارجي إلى موقع الطرف المعني بالنزاع. وهو هروب بصري من صورة جماعية هو بالأساس هروب من واقع سياسي يتكرس داخل قاعة التفاوض مهما تم إنكاره خارجها.
إن معركة المصطلحات التي أنهتها طاولة مدريد وخاصة حول مفهوم تقرير المصير تؤكد أن الجزائر تخوض اليوم معركة لغوية أكثر منها سياسية حين يحاصر مفهوم تجاوزه قرار مجلس الأمن 2797 داخل أفق الحكم الذاتي، لينهي تلك الصيغة الكلاسيكية التي تتمسك بها الجزائر، ولتتحول إلى شعار مستهلك بلا آليات تنفيذية واقعية، و في عالم لم يعد يتعامل مع النزاعات بمنطق الشعارات، بل بمنطق الإستقرار والنجاعة.
في المقابل تقف المملكة المغربية داخل هذا المسار الجديد كقوة هادئة لا تقوم على الإستعراض، بل على تثبيت المرجعية وفرض الإطار العام للحل ،المغرب الذي لم يعد في حاجة إلى تقديم أي تنازلات جديدة ،والذي حول المفاوضات من نقاش حول السيادة إلى نقاش حول كيفية تدبيرها، الأمر الذي منحه هامش مناورة ديبلوماسية واسعة، ليجعل أي فشل محتمل للمحادث عبئا سياسيا على الطرف الآخر.
و مع كل ماسبق حول مفاوضات مدريد فإن أي قراءة إستشرافية لها تفرض منا حيزا من الحذر السياسي ، فالإنتقال من منطق التصعيد إلى منطق التفاوض لا يعني بالضرورة وجود تحول عميق في العقيدة السياسية الجزائرية، فقد نشهد محاولات لإفراغ الحوار من محتواه لإعادة إنتاج التعنت داخل قاعة المفاوضات. غير أن هذا السيناريو و حتى إن أمكن له التحقق، لا يغير من حقيقة أساسية وهي أن مجرد إنعقاد لقاء مدريد يؤسس لسابقة سياسية يصعب التراجع عنها، ويكرس أن الحل لم يعد ممكنا إلا عبر الجزائر وبموافقتها الصريحة على إنهاء النزاع.
ختاما، مفاوضات مدريد ليست محطة الحسم النهائي لكنها لحظة كاشفة بامتياز و لحظة سقوط آخر الأقنعة وبداية مرحلة جديدة تدار فيها قضية الصحراء بمنطق الوقائع لا الأوهام والأساطير، بداية مفاوضات تدار بميزان القوى لا بشعارات السبعينيات. من هذه المنطلق لم تعد السيادة المغربية موضوع تفاوض بل أصبحت الإطار الذي تدار داخله المفاوضات نفسها، وما عدا ذلك ليس سوى مجرد تفاصيل في طريق إغلاق أحد أطول النزاعات المفتعلة في المنطقة، مع ميل واضح لميزان التحول الإستراتيجي لصالح الطرح المغربي ودخول الجزائر مرحلة دقيقة تتقلص فيها هوامش المناورة وتتسع فيها كلفة الرفض.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيحي
للنشر
ok






