المغرب ينتقل من ورشة تجميع إلى قطب صناعي للطيران… رهان استراتيجي على التكنولوجيا والسيادة

الدار/ إيمان العلوي
شهد إقليم النواصر إطلاق مشروع صناعي ضخم لإنتاج أنظمة هبوط الطائرات بشراكة مع مجموعة “سافران” الفرنسية، أحد عمالقة صناعة الطيران في العالم. المشروع لا يُقرأ فقط كاستثمار صناعي جديد، بل كمؤشر واضح على انتقال المملكة إلى مرحلة أكثر تقدماً في التصنيع عالي الدقة.
المعطيات الأولية للمشروع تكشف عن استثمار يفوق 280 مليون يورو، مع إحداث حوالي 500 منصب شغل مباشر، في تخصصات تتطلب تكويناً هندسياً وتقنياً متقدماً. غير أن الأرقام، على أهميتها، لا تعكس وحدها حجم التحول الجاري. فالمغرب لم يعد يكتفي باحتضان أنشطة التجميع أو المناولة البسيطة، بل أصبح ينخرط في تصنيع مكونات استراتيجية ذات حساسية تكنولوجية عالية، موجهة لطائرات من طراز Airbus A320، أحد أكثر الطرازات انتشاراً في العالم.
اختيار النواصر، القلب النابض للصناعة الجوية المغربية، ليس اعتباطياً. فالمنطقة تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى منصة صناعية متكاملة تضم عشرات الفاعلين العالميين في مجال الطيران، مستفيدة من بنية تحتية متطورة، ومناطق صناعية مهيأة، وسلسلة من التحفيزات الاستثمارية. كما أن توفر كفاءات مغربية متخصصة، تخرجت من معاهد ومدارس هندسية وطنية ودولية، عزز ثقة الشركات الكبرى في قدرة المملكة على تلبية معايير الجودة والاعتماد الصارمة التي تفرضها صناعة الطيران.
اللافت أيضاً في هذا المشروع هو اعتماده على طاقة نظيفة بنسبة 100%، في انسجام مع الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي. وهو توجه يمنح الصناعة الجوية المغربية ميزة تنافسية إضافية في سياق عالمي يتجه بقوة نحو إزالة الكربون من سلاسل الإنتاج، ويضع المعايير البيئية في صلب القرارات الاستثمارية.
سياسياً واقتصادياً، يعكس هذا التطور ثمرة رؤية صناعية طويلة الأمد تم إطلاقها وتحيينها عبر مخططات متتالية، راهنت على تنويع الاقتصاد الوطني، وجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية، والانتقال من اقتصاد قائم على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد صناعي متكامل. تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، تم وضع أسس هذا التحول عبر الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الموانئ والمناطق الحرة، وإرساء شراكات استراتيجية مع فاعلين دوليين.
المغرب اليوم لا يسعى فقط إلى جذب مصانع، بل إلى التموقع كحلقة أساسية في سلاسل الإنتاج العالمية، قادرة على التصنيع، والاختبار، والمراقبة، والصيانة المتقدمة. هذا التموقع يعزز مفهوم “السيادة الصناعية” بمعناه الحديث: امتلاك المعرفة، والتحكم في التكنولوجيا، وتكوين رأسمال بشري مؤهل، والانخراط في صناعات المستقبل.
التحدي المطروح مستقبلاً يتمثل في تعميق الاندماج المحلي، عبر رفع نسبة الإدماج الصناعي، وتشجيع المقاولات الوطنية على الولوج إلى سلاسل التوريد، وتكثيف الاستثمار في البحث والتطوير. فنجاح مثل هذه المشاريع لا يُقاس فقط بعدد مناصب الشغل أو حجم الاستثمار، بل بقدرتها على خلق منظومة صناعية متكاملة ومستدامة.
بهذا المشروع، يرسخ المغرب موقعه كأحد أبرز الأقطاب الصناعية في مجال الطيران على المستوى الإفريقي والمتوسطي، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الرهان لم يعد على انتظار التحولات العالمية، بل على صناعتها والمشاركة الفاعلة في رسم ملامحها.





