أخبار الدارسلايدر

الممرات البحرية شرايين الحياة الدولية بين سيادة الجغرافيا وتحديات القانون الدولي.

تعد الممرات البحرية الإستراتيجية الخمسة، مضيق هرمز و جبل طارق و باب المندب و قناة السويس والبوسفور، بمثابة الجهاز العصبي المركزي الذي يغذي جسد الاقتصاد العالمي، فهي ليست مجرد ممرات مائية ضيقة، بل هي عنق الزجاجة الذي تتكثف فيه المصالح الجيوسياسية للدول والشركات العابرة للقارات على حد سواء. إن فكرة إخضاع هذه الممرات لإشراف دولي مشترك يجمع بين الدول المشاطئة ووحدات أمنية ومدنية دولية، تبدو للوهلة الأولى ضرورة أخلاقية وإقتصادية لتجنيب العالم الهزات في أسعار الطاقة ومختلف سلاسل الإمداد، إلا أن هذا المقترح يصطدم بحائط سميك من تعقيدات السيادة الوطنية والقانون الدولي وإتفاقيات البحار.

وتفصيلا في الموضوع فمن الناحية القانونية تخضع الملاحة الدولية في هذه الممرات لإتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة1982، والتي أرست مفهوم حق المرور العابر في المضايق الدولية، وهو حق يمنح السفن التجارية والعسكرية حرية الحركة دون عوائق شريطة الإلتزام بالسلامة والبيئة. غير أن فرض إدارة دولية داخل مياه إقليمية لدول ذات سيادة يعتبر في العرف السياسي المعاصر إنتقاص من الإستقلال الوطني وتدخل في شؤون الدول المشاطئة ومس بسيادتها البحرية، وهو ما ترفضه دول مثل مصر وتركيا وإيران واليمن والمغرب وإسبانيا، إذ ترى في سيطرتها على هذه الممرات ورقة ضغط إستراتيجية ومصدر للشرعية الجيوسياسية والدخل القومي.
كما أنه ومن الجانب الإقتصادي نجد أن منظمة التجارة العالمية تدعو بإستمرار إلى حرية تدفق السلع وتدني العوائق التجارية، لكنها لا تملك سلطة تنفيذية عسكرية لحماية الممرات. والواقع التدبيري اليوم لهذه الممرات يعتمد على نظام الأمن التعاوني لا الإدارة المشتركة. فالعالم ولحماية التحارة الدولية عبر هذه المضايق الإستراتيحية يعتمد على أجهزة تتبع ومراقبة فائقة الدقة مثل نظام التعرف التلقائي AIS الذي يربط السفن بالأقمار الصناعية، ومنظومات مراقبة حركة السفن VTS التي تديرها الدول المشاطئة. كما يتم تفعيل تحالفات أمنية مؤقتة، مثل قوات المهام المشتركة في البحر الأحمر وباب المندب، لمواجهة القرصنة أو التهديدات الأمنية، وهو نموذج من العمل المشترك المطبق لتفادي فكرة التدويل الشامل التي قد تشعل صراعات أكثر مما تطفئها.
ومن وجهة نظرنا الإستشرافية، نرى أن العالم يتجه اليوم نحو رقمنة الممرات وتحويلها إلى ممرات ذكية تدار ببروتوكولات تقنية دولية موحدة لتقليل الأخطاء البشرية والإحتكاكات السياسية، لكن بقاء هذه الممرات تحت السيادة الوطنية للدول يظل صمام أمان لتلك الدول ومصدر قلق للقوى الكبرى.

ختاما، إن حماية التجارة الدولية في المستقبل لن تتطلب بالضرورة وجود وحدات أمنية دولية دائمة فوق كل مضيق، بل ستتطلب عمل الأمم المتحدة على إخراج ميثاق دولي للحياد المائي، يضمن بقاء هذه الشرايين بعيدة عن الصراعات السياسية الضيقة، مع تعزيز قدرات الدول المشاطئة ودعمها من الناحية التكنولوجية وتوفير كل الإمكانيات المادية للقيام بدور الحارس الأمامي نيابة عن العالم، مقابل ضمانات دولية بعدم المساس بسيادتها أو إقتصادها.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيحي .

زر الذهاب إلى الأعلى