الميمونة… ذاكرة التعايش المغربي التي تتجدد كل عام

الدار/ سارة الوكيلي
في كل ربيع، ومع انتهاء عيد الفصح اليهودي، يستعيد المغرب واحدًا من أكثر تقاليده عمقًا ورمزية: عيد “الميمونة”. ليس مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل طقس اجتماعي وثقافي يعكس قرونًا من التعايش الفريد بين مكونات المجتمع المغربي، حيث تلتقي القلوب قبل الأديان، وتُستحضر ذاكرة مشتركة عنوانها الاحترام والمحبة.
تعود جذور الميمونة إلى تقاليد يهود المغرب، حيث تُفتح البيوت بعد أيام من الامتناع عن استهلاك الخميرة خلال عيد الفصح، لتستقبل الزوار—غالبًا من المسلمين—في مشهد إنساني يعكس عمق الروابط الاجتماعية. تُقدَّم أطباق رمزية مثل “المفروكة” و”المسمن” والعسل والحليب، في إشارات إلى التفاؤل والبركة وبداية مرحلة جديدة يسودها الخير. هذا التبادل لم يكن يومًا شكليًا، بل تجسيدًا حيًا لثقافة الضيافة المغربية التي تتجاوز الحدود الدينية.
وتشير دراسات في مجال التاريخ الاجتماعي، خصوصًا أبحاث الباحثين في التراث اليهودي المغربي، إلى أن الميمونة تشكل أحد أبرز تجليات “العيش المشترك” في شمال إفريقيا، حيث حافظ اليهود المغاربة على تقاليدهم في انسجام تام مع محيطهم الإسلامي. كما تؤكد تقارير صادرة عن اليونسكو أن المغرب يُعد نموذجًا في صون التراث غير المادي المرتبط بالتعدد الثقافي والديني، وهو ما تعكسه طقوس مثل الميمونة التي انتقلت من نطاقها الخاص إلى فضاء وطني أوسع.
هذا الامتداد لم يكن عفويًا فقط، بل يجد جذوره في تاريخ طويل من الحماية والتعايش، خاصة خلال فترات مفصلية مثل عهد السلطان محمد الخامس، الذي ارتبط اسمه بمواقف داعمة لليهود المغاربة خلال الحرب العالمية الثانية. وقد أسهمت هذه الذاكرة في ترسيخ شعور الانتماء المشترك، الذي يتجاوز اللحظات التاريخية ليصبح جزءًا من الهوية المغربية المعاصرة.
وفي السنوات الأخيرة، اكتسبت الميمونة بعدًا متجددًا، خصوصًا مع عودة الاهتمام بالتراث اليهودي المغربي، سواء داخل المملكة أو في أوساط الجالية المغربية اليهودية في الخارج. كما أن إدراج المكون العبري في الدستور المغربي لسنة 2011 كرافد من روافد الهوية الوطنية، عزز من حضور هذه الرمزية في الخطاب الرسمي والثقافي.
إن الميمونة، في جوهرها، ليست فقط احتفالًا بنهاية عيد ديني، بل رسالة مغربية خالصة إلى العالم: أن التعدد يمكن أن يكون مصدر غنى، وأن الاختلاف لا يلغي الوحدة، بل يعمقها. وفي زمن تتصاعد فيه النزاعات الهوياتية، يظل هذا التقليد شاهدًا على إمكانية بناء مجتمع متماسك، قوامه الاحترام المتبادل والاعتزاز بالتنوع.
هكذا يواصل المغرب، من خلال طقوسه الحية، الحديث بلغة القلب… لغة لا تحتاج إلى ترجمة، لأنها ببساطة تُفهم بالمحبة.





