أزمة حكم في داكار.. هل انتهى شهر العسل بين فاي وسونكو؟

الدار/ إيمان العلوي
دخلت السنغال مرحلة سياسية غير مسبوقة بعد القرار المفاجئ للرئيس باسيرو ديوماي فاي القاضي بإنهاء مهام رئيس الوزراء عثمان سونكو وحل الحكومة، في خطوة أحدثت هزة قوية داخل المشهد السياسي الإفريقي، وأعادت إلى الواجهة الحديث عن الصراع الخفي الذي كان يتنامى منذ أشهر داخل قمة السلطة في داكار.
القرار شكّل صدمة للرأي العام السنغالي، لأن العلاقة بين فاي وسونكو كانت تُقدَّم منذ وصولهما إلى الحكم كنموذج استثنائي لتحالف سياسي نجح في إسقاط النخبة التقليدية وفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد. فالرئيس الحالي لم يكن ليصل إلى القصر الجمهوري لولا الدعم الشعبي والتنظيمي الهائل الذي وفره له سونكو، الزعيم الأكثر تأثيراً داخل حزب “باستيف”، والذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى رمز للمعارضة الراديكالية في غرب إفريقيا.
لكن خلف صورة الانسجام التي رافقت الأشهر الأولى من الحكم، كانت الخلافات تتسع تدريجياً بين الرجلين. فبينما حاول الرئيس فاي تقديم نفسه كرجل دولة يسعى إلى الحفاظ على التوازنات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، وتهدئة مخاوف الشركاء الدوليين، واصل سونكو الدفاع عن خطاب أكثر حدة يقوم على السيادة الاقتصادية، وتقليص النفوذ الفرنسي، وإعادة صياغة علاقة السنغال بالقوى الغربية والشركات الأجنبية.
هذا التباين لم يبقَ في حدود الاختلاف السياسي الطبيعي، بل تحول مع مرور الوقت إلى تنافس واضح حول مركز القرار داخل الدولة. كثير من المراقبين في السنغال كانوا يعتبرون أن سونكو ظل الشخصية الأقوى شعبياً رغم وجوده في رئاسة الحكومة، وأن حضوره الجماهيري طغى أحياناً على صورة الرئيس نفسه، خصوصاً داخل الأحياء الشعبية والجامعات والنقابات، حيث ما يزال يُنظر إليه باعتباره “صوت الشارع” الحقيقي.
وتشير تقارير إعلامية محلية ودولية إلى أن التوتر بلغ ذروته بعد الخلاف حول مشروع قانون انتخابي كان من شأنه أن يفتح الباب أمام إمكانية ترشح سونكو مستقبلاً للانتخابات الرئاسية. ذلك التطور فُهم داخل الأوساط السياسية على أنه بداية صراع مبكر حول خلافة السلطة، وتحول العلاقة بين الحليفين إلى مواجهة حول النفوذ والشرعية السياسية.
إقالة سونكو لا تبدو مجرد تغيير حكومي عابر، بل تحمل أبعاداً أعمق قد تعيد رسم المشهد السياسي بالكامل في السنغال. فالرجل الذي بنى شعبيته على مواجهة النظام السابق يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة أثبتت في أكثر من مناسبة قدرتها على النزول إلى الشارع والضغط بقوة، كما حدث خلال أزماته القضائية التي هزت البلاد بين عامي 2021 و2023 وخلفت مواجهات دامية واحتجاجات واسعة.
ويعتقد متابعون للشأن السنغالي أن سونكو قد يستثمر قرار إبعاده للعودة مجدداً إلى موقع “المعارض الشعبي”، وهو الدور الذي صنع نجوميته السياسية منذ البداية. كما أن قطاعات واسعة من أنصاره تعتبر أن ما جرى ليس سوى محاولة لتحجيم نفوذه السياسي ومنعه من التحول إلى منافس مباشر على الرئاسة في المستقبل.
في المقابل، يبدو الرئيس فاي أمام اختبار بالغ الصعوبة، إذ سيكون مطالباً بإثبات قدرته على إدارة البلاد دون الرجل الذي لعب دور المهندس السياسي لوصوله إلى الحكم. كما سيواجه تحدياً حقيقياً يتعلق بالحفاظ على تماسك الأغلبية السياسية ومنع انقسام حزب “باستيف”، خاصة إذا قرر سونكو خوض معركة مفتوحة ضد السلطة من خارج الحكومة.
الأزمة الحالية لا تُقلق الداخل السنغالي فقط، بل تتابعها أيضاً عواصم إفريقية وغربية باهتمام كبير، لأن السنغال كانت تُعتبر خلال السنوات الأخيرة إحدى أكثر الديمقراطيات استقراراً في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، في وقت تشهد فيه المنطقة سلسلة اضطرابات وانقلابات عسكرية وصراعات سياسية متصاعدة.
أي انفجار سياسي أو اجتماعي في داكار قد تكون له تداعيات مباشرة على الاستقرار الإقليمي، خصوصاً في ظل حساسية الملفات الاقتصادية والأمنية المرتبطة بالاستثمارات الأجنبية والطاقة والتعاون الدولي في منطقة الساحل.
ومع تصاعد الغضب داخل قواعد سونكو الشعبية، تبدو السنغال اليوم أمام منعطف سياسي حاسم قد ينهي نهائياً مرحلة “الثنائي المتفاهم” التي جذبت أنظار القارة الإفريقية، ويفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة بين رئيس يسعى لتكريس سلطته داخل مؤسسات الدولة، وزعيم شعبوي ما يزال يمتلك الشارع ويعرف جيداً كيف يحركه.






