
الدار/ إيمان العلوي
في كل مرة يزور فيها مسؤول مغربي دولة أجنبية، يخرج علينا بعض “حرّاس العقيدة الموسميين” وكأنهم في مهمة تفتيش إيماني على الوزراء والوفود الرسمية، لا لمناقشة حصيلة الدبلوماسية أو الاقتصاد أو التعليم، بل للتدقيق في الرموز والهدايا والبروتوكولات وكأن المغرب يعيش أزمة عقائدية تهدد وجوده.
الخرجة الأخيرة لكاتب الدولة السابق البيجيدي خالد الصمدي بدت أقرب إلى بيان تعبئة دينية ضد “غزو صليبي” متخيَّل، فقط لأن وزيرا مغربيا ظهر وهو يقدم رمزا دينيا مسيحيا خلال زيارة رسمية خارجية. فجأة تحولت العلاقات الدبلوماسية إلى “حروب عقائد”، وأصبح البروتوكول الرسمي مؤامرة لتصدير “التثليث” إلى العالم باسم المغاربة.
المثير في هذا الخطاب أنه يتعامل مع المغرب وكأنه دولة مغلقة تعيش خارج التاريخ والجغرافيا والعلاقات الدولية، بينما الواقع أن المملكة المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، راكمت عبر قرون صورة دولة منفتحة تحترم الأديان والحضارات، وتتبنى دبلوماسية قائمة على الحوار لا على صناعة الخصومات الوهمية.
فهل أصبح احترام رموز الآخر الدينية يعني اعتناق عقيدته؟ وهل كل مسؤول يزور الفاتيكان أو كنيسة أو معبدا يتحول تلقائيا إلى “مبشر” خارج عن الإسلام؟ بهذا المنطق الغريب، كان يفترض اتهام كل القادة العرب والمسلمين الذين تبادلوا الهدايا مع بابا الفاتيكان أو حضروا مناسبات دينية عالمية بأنهم تخلوا عن عقيدتهم.
اللافت أن أصحاب هذا الخطاب يخلطون عمدا بين “الإيمان الديني” و”اللياقة الدبلوماسية”. فالدبلوماسية الحديثة لا تُدار بعقلية محاكم التفتيش، بل بفهم ثقافات الشعوب واحترام رموزها، تماما كما ينتظر المغاربة من الأجانب احترام خصوصيتهم الدينية الإسلامية.
ثم إن الحديث عن “صدمة للرأي العام المغربي والإسلامي” فيه قدر كبير من المبالغة. فالمغاربة منشغلون اليوم بأسئلة أكثر واقعية: التعليم، الصحة، الغلاء، فرص الشغل، لا بمراقبة ما إذا كانت هدية بروتوكولية تحمل صليبا أو هلالا أو أي رمز آخر.
المفارقة الساخرة أن البعض يقدم نفسه مدافعا عن “ثوابت الأمة”، بينما يسيء في الواقع لصورة المغرب كبلد للتعايش والانفتاح. المغرب الذي احتضن اليهود عبر قرون، وحمى الكنائس، واستقبل بابا الفاتيكان في زيارة تاريخية، لم يكن يوما دولة تخاف من رمز ديني أو ترتبك من صورة بروتوكولية.
أما تحويل حادث بروتوكولي عادي إلى قضية “عقيدة وصليب وتثليث”، فهو أقرب إلى صناعة ضجيج أيديولوجي أكثر منه دفاعا حقيقيا عن الدين. لأن قوة العقائد لا تقاس بالخوف من الرموز، بل بالثقة في الذات والقدرة على التعايش دون عقد أو هستيريا سياسية.
وقد يبدو أن بعض السياسيين كلما غاب عنهم النقاش الحقيقي، عادوا إلى الاستثمار في الإثارة الدينية، لأن معارك الرموز أسهل بكثير من مواجهة الأسئلة الثقيلة…






