أخبار دوليةسلايدر

زيارة وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى باريس.. هل بدأت ترتيبات ما بعد تبون؟

 

الدار/ إيمان العلوي

أعادت الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى فرنسا فتح باب التساؤلات حول ما يجري خلف جدران السلطة في الجزائر، في مرحلة تتزايد فيها التكهنات بشأن مستقبل الرئاسة والتوازنات التي تحكم مراكز القرار داخل النظام العسكري الجزائري.

ففي الأنظمة التي تقوم على مؤسسات سياسية قوية وآليات واضحة لتداول السلطة، لا تتحول الزيارات الرسمية إلى مادة للتأويل. أما في الحالة الجزائرية، حيث يطغى الغموض على ملف الخلافة السياسية وتبقى المؤسسة الأمنية والعسكرية اللاعب الأكثر تأثيراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، فإن أي تحرك لمسؤول بارز يثير بطبيعة الحال أسئلة تتجاوز الأجندة المعلنة.

ومن هذا المنطلق، برزت تساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية حول ما إذا كانت زيارة سعيد سعيود إلى باريس تحمل أبعاداً تتعلق بمستقبله السياسي داخل هرم السلطة، وما إذا كانت فرنسا تسعى إلى التعرف بشكل أوضح على الشخصيات التي قد يكون لها دور أكبر في مرحلة ما بعد الرئيس عبد المجيد تبون.

ورغم غياب أي مؤشرات رسمية تدعم هذا الطرح، فإن العنصر الأكثر إثارة للانتباه لم يكن الوزير نفسه، بل الشخصية التي رافقته. فظهور اللواء منير زاهي إلى جانبه، بعد أيام قليلة فقط من تعيينه مديراً عاماً للأمن الداخلي، حمل رسائل سياسية لا تخطئها دوائر المتابعة.

فاللواء زاهي يُنظر إليه باعتباره من الوجوه الصاعدة داخل المؤسسة الأمنية الجزائرية، كما أن تكوينه وعلاقاته المهنية يجعلان منه أحد الأسماء المرتبطة بجيل جديد من القيادات الأمنية التي تسعى إلى إعادة تموقع الجزائر ضمن شبكة التحالفات الدولية المتغيرة.

حضوره في باريس في هذا التوقيت بالذات يهدف إلى تبديد أي مخاوف فرنسية من أن تؤدي التغييرات الأخيرة داخل أجهزة الأمن الجزائرية إلى إعادة رسم بوصلة العلاقات الخارجية للبلاد على حساب الشريك الفرنسي التقليدي.

فخلال السنوات الأخيرة، برزت داخل بعض دوائر القرار الجزائرية أصوات تدعو إلى توسيع هامش المناورة الاستراتيجية عبر تعزيز العلاقات مع قوى دولية متعددة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهو ما دفع بعض المتابعين إلى الحديث عن توجه جديد يسعى إلى تقليص الاعتماد التاريخي على فرنسا باعتبارها الشريك الخارجي الأكثر تأثيراً في الجزائر منذ عقود.

غير أن الرسالة التي حملتها زيارة باريس تبدو مختلفة. فمرافقة مدير الأمن الداخلي للوفد الجزائري توحي بأن التغييرات الجارية داخل هرم المؤسسة الأمنية لا تعني بالضرورة حدوث قطيعة مع فرنسا، وأن العلاقات العميقة والمتشابكة بين البلدين ما تزال أقوى من أن تتأثر بتغييرات ظرفية أو بتبدل بعض الوجوه داخل أجهزة الدولة.

وتكشف هذه التطورات مرة أخرى حجم المفارقة التي تطبع المشهد السياسي الجزائري؛ ففي الوقت الذي يحرص فيه النظام على تقديم نفسه كقوة إقليمية مستقلة القرار، يجد نفسه مضطراً باستمرار إلى توجيه رسائل طمأنة إلى شركائه التقليديين بشأن استمرارية التوازنات القائمة.

ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه الزيارة: هل كانت مجرد محطة دبلوماسية عادية لتعزيز التعاون بين الجزائر وفرنسا، أم أنها شكلت فرصة غير معلنة لاختبار بعض الأسماء التي قد يكون لها وزن أكبر في مستقبل السلطة؟

الأكيد أن الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، أما المؤكد حتى الآن فهو أن باريس والمرادية تواصلان مراقبة بعضهما البعض بدقة، في مشهد تختلط فيه حسابات الأمن بالخلافة السياسية، وتتقاطع فيه المصالح الاستراتيجية مع صراعات النفوذ داخل أروق النظام الجزائري.

زر الذهاب إلى الأعلى