
الدار/ إيمان العلوي
حين أطلق الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، نداءه التاريخي من أجل استرجاع الأقاليم الصحراوية، لم يكن أمام المغرب سوى خيار واحد: أن يحول الإرادة الوطنية إلى فعل جماهيري سلمي. وهكذا خرج نحو 350 ألف مغربي في المسيرة الخضراء، في لحظة فارقة رسخت في الذاكرة الجماعية للمغاربة واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المملكة الحديث.
لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حدث عابر، بل كانت تعبيراً قوياً عن قدرة المغرب على تعبئة شعبه حول قضية يعتبرها جزءاً من هويته الوطنية. واليوم، وبعد عقود، ما تزال تلك التجربة حاضرة في الوجدان المغربي، باعتبارها نموذجاً على أن القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية لا تُختزل في الحسابات السياسية الظرفية، بل تمتد جذورها عميقاً في الوعي الشعبي.
ومن هنا، تبدو المقارنة التي يطرحها البعض بشأن سبتة ومليلية والجزر المغربية الواقعة تحت الإدارة الإسبانية امتداداً لهذه الذاكرة الوطنية، لا دعوة إلى مواجهة أو تصعيد. فهذه المناطق ظلت حاضرة في الخطاب والوعي المغربيين، كما أن مسألة مستقبلها ترتبط، في المنظور المغربي، بسياق تاريخي وجغرافي وسياسي أوسع ينبغي أن يُعالج بالحكمة والمسؤولية والوسائل السلمية.
وإذا كانت المسيرة الخضراء قد أظهرت آنذاك حجم الالتفاف الشعبي حول قضية الصحراء، فإن المغرب اليوم يمتلك مقومات دولة أكثر قوة وحضوراً وتأثيراً، ما يجعل أي نقاش مستقبلي حول القضايا الترابية والسيادية جزءاً من مسار سياسي ودبلوماسي طويل، وليس رهناً للحظة انفعالية أو لتحرك أحادي الجانب.
ذلك أن قوة المغرب لا تكمن فقط في الأرقام أو في القدرة على التعبئة، وإنما أيضاً في ما راكمه من حضور دبلوماسي واقتصادي واستراتيجي، وفي قدرته على الدفاع عن مصالحه الوطنية ضمن منطق الدولة والمؤسسات والقانون الدولي.
ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن سبتة ومليلية والجزر ليس استدعاءً للمواجهة، وإنما تذكير بأن التاريخ لا يختفي لمجرد أن الحدود السياسية كرست واقعاً معيناً لعقود. فالجغرافيا تبقى جغرافيا، والذاكرة الوطنية لا يمكن محوها بمرور الزمن.
وكما حمل جيل المسيرة الخضراء راية المغرب في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المملكة، فإن الأجيال الجديدة تحمل بدورها تصوراً مختلفاً لقضايا السيادة والوحدة الترابية، يقوم على الثقة في الدولة وعلى العمل الدبلوماسي والسياسي وعلى التراكم الهادئ للوقائع.
الرهان الحقيقي ليس على مسيرة جديدة أو على مواجهة مع الجار الإسباني، وإنما على قدرة المغرب على تحويل قوته المتنامية ومكانته الإقليمية والدولية إلى أوراق سياسية ودبلوماسية تخدم مصالحه الوطنية.
فالأوطان لا تحمي ذاكرتها بالصخب، ولا تستعيد حقوقها بالاندفاع، وإنما بالصبر والاستمرارية وحسن إدارة الملفات. وما دام التاريخ والجغرافيا حاضرين في الوعي المغربي، فإن سبتة ومليلية والجزر ستظل جزءاً من النقاش الوطني، إلى أن يأتي اليوم الذي تجد فيه هذه الملفات طريقها إلى معالجة سياسية هادئة، تحفظ المصالح المغربية والإسبانية وتفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.






