
المحجوب داسع
ليس من المعتاد أن يجتمع في شخصية واحدة الشاعر والدبلوماسي ومدير مركز بحثي و أكاديمي يعنى بالحوار الحضاري، غير أن سعادة السفير خالد فتح الرحمن نجح في الجمع بين هذه العوالم، ليصوغ مسارا مهنيا يقوم على الإيمان بأن الثقافة قادرة على بناء الجسور حيث تعجز السياسة، وأن الكلمة قد تكون أكثر تأثيرا من أي خطاب رسمي.
بعد مسيرة دبلوماسية مثّل خلالها جمهورية السودان، وكان من أبرز محطاتها عمله سفيرا لبلاده لدى المملكة المغربية، انتقل خالد فتح الرحمن إلى فضاء العمل الثقافي الدولي، حيث يشغل منصب مدير مركز الحوار الحضاري بمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، واضعا خبرته الدبلوماسية في خدمة رؤية تقوم على تعزيز التقارب بين الشعوب، وترسيخ ثقافة السلام، وإدارة الاختلاف بالحوار البناء المفضي إلى التقارب بين الشعوب و الحضارات.
رأى فتح الرحمن النور في مدينة عطبرة السودانية بشمال السودان، قبل أن ينتقل إلى الخرطوم، ومن هناك سافر بمعية والديه إلى المدينة المنورة، حيث درس المرحلة الثانوية في مدرسة “قباء” ونال منها الترتيب الأول في الشهادة الثانوية السعودية في المركز الغربي، لينتقل بعدها إلى جامعة الملك سعود طالبا، قبل أن يلتحق بالخارجية السودانية فعاد للرياض سفيرا.
داخل مركز الحوار الحضاري، يؤمن خالد فتح الرحمن و فريقه بضرورة تحويل الحوار بين الحضارات إلى مسارات عملية للتعاون والتفاعل بين الثقافات والمؤسسات والأجيال، داخل العالم الإسلامي وخارجه، حيث عملوا على بلورة مفهوم ” الدبلوماسية الحضارية” كأفق جديد لمعالجة عدد من القضايا الحارقة التي تؤرق عالم اليوم.
المقربون من الرجل، يصفونه ب”الرجل الذي يمتلك قوة اقتراحية في بلورة مبادرات عملية”، وهو ما تجسد من خلال إشرافه على مبادرات مهمة داخل أروقة “الإيسيسكو”؛ إذ لم يكتف بإدارة البرامج والأنشطة، بل عمل على تطوير مفهوم الحوار الحضاري من إطار نظري إلى مشاريع عملية تجمع بين الثقافة والتربية والدبلوماسية الاجتماعية، مع التركيز على دور الشباب في بناء مستقبل أكثر انفتاحا وتسامحا.
وفي مختلف المحافل الدولية، يؤكد السفير خالد فتح الرحمن أن الحوار الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالآخر، وأن الثقافة هي اللغة المشتركة التي تستطيع تجاوز الحدود السياسية والجغرافية، و أن الوقت قد حان لنقل الحوار من مستواه النظري إلى مجالات التطبيق العملي ذات الأثر الملموس.
وبقدر ما يُعرف دبلوماسيا، يحظى خالد فتح الرحمن بمكانة مرموقة في المشهد الثقافي العربي باعتباره شاعرا، إذ تمثل القصيدة لديه امتدادا لرؤيته الإنسانية، حيث يلتقي الشعر مع الدبلوماسية في الدفاع عن قيم الجمال والتعايش. وقد تُوجت هذه المسيرة بمنحه الجائزة العالمية لسفير الدبلوماسية الثقافية تقديرا لإسهاماته الشعرية ولدوره في تعزيز العلاقات الثقافية والإنسانية، خاصة خلال فترة عمله سفيرا للسودان بالمغرب.
موهبة خالد فتح الرحمن الشعرية بدأت منذ أن كان طالبا في جامعة الملك سعود، وهو ما قاده إلى حصد عدد من الجوائز، المتعددة من الجامعة، قبل أن يصدر أول دواوينه الشعرية عام 1994 بعنوان “قصائد ليست للتصفيق”، لتعقبه بعد ذلك أعمال أخرى من قبيل «غير هذا البريق.. لك»، و«سيف بلا ذاكرة»، وكتاب «حقائب الرياح.. أسفار في الأدب والتاريخ والدبلوماسية».
موهبته الشعرية كانت نتاج بيئة شاعرة عاش في كنفها، حيث ينحدر أساسا من بيئة شاعرة في السودان، فمن عائلته الشاعران الراحلان عبد الله الشيخ البشير المعروف بشيخ الشعراء السودانيين والشاعر الغنائي المعروف إسماعيل حسن من أهل بيتي.
ويبرز حضوره كذلك في القضايا الحضارية والإنسانية ذات البعد الدولي، من حماية التراث الثقافي السوداني، إلى الحوار بين الحضارات، ومواجهة الصور النمطية والإسلاموفوبيا، فضلا عن بناء شراكات مع مؤسسات أكاديمية وثقافية حول العالم، بما يعكس قناعة راسخة بأن الدبلوماسية الحديثة لم تعد تقتصر على السياسة، بل أصبحت الثقافة أحد أهم أدواتها وأكثرها تأثيرا.
في شخصية خالد فتح الرحمن، تتجاور القصيدة مع المبادرة، والدبلوماسية مع الثقافة، ليقدم نموذجا للمثقف العربي الذي اختار أن يجعل من الحوار رسالة، ومن التقارب بين الحضارات مشروعا مستمرا، مؤمنا بأن السلام يبدأ دائما من كلمة صادقة، ومن ثقافة تعترف بالاختلاف وتحتفي به.





