سلايدرمغرب

حين تصبح «270 طناً من المخدرات» ورقة انتخابية؟

الدار/ إيمان العلوي

هناك فرق شاسع بين أن تمارس السياسة وأن تمارس الاتهام، وبين أن تنتقد خصماً انتخابياً وأن تلقي في وجهه اتهاماً جنائياً من العيار الثقيل. وعندما يصل الأمر إلى الحديث عن «270 طناً من المخدرات»، فإننا لا نكون أمام جملة انتخابية عابرة، بل أمام ادعاء يفترض أن تكون وراءه أدلة وملفات ومعطيات دقيقة، لا مجرد منشور قابل للانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي.

الرقم وحده كافٍ لطرح أسئلة محرجة. من أين أتى؟ ما مصدره؟ متى وقعت العمليات المزعومة؟ أين هي المحاضر والتحقيقات؟ وما الجهات التي تعاملت مع هذا الملف؟ ومن هم الأشخاص أو الشبكات المعنية؟ وهل يتعلق الأمر بكمية محجوزة فعلاً، أم بتقديرات، أم بتراكم عمليات مختلفة؟ والأهم: لماذا لم تُقدم للرأي العام، إلى حدود الآن، معطيات موثوقة ومستقلة تسمح بالتأكد من صحة هذا الادعاء؟

هذه ليست أسئلة ترفية، ولا محاولة لتبرئة أحد. إنها أبسط قواعد المسؤولية عندما يتعلق الأمر باتهامات يمكن أن تدمر سمعة أشخاص وتؤثر في اختيارات الناخبين.

إذا كان المرشح الذي أطلق هذا الكلام يمتلك فعلاً أدلة دامغة، فليس أمامه سوى طريق واحد يحترم من خلاله خطورة ما يقول: أن يضع تلك الأدلة أمام الجهات المختصة. أما تحويل رقم بهذا الحجم إلى مادة انتخابية، ثم ترك مواقع التواصل تتولى مهمة نشره وتفسيره وتضخيمه، فذلك يضع القضية في منطقة سياسية وإعلامية شديدة الخطورة.

المفارقة أن بعض السياسيين يطالبون دائماً بدولة المؤسسات عندما يتعلق الأمر بخصومهم، لكنهم يصبحون أقل حماساً لمنطق المؤسسات عندما تكون لديهم اتهامات يريدون استخدامها في مواجهة منافسيهم. والحال أن دولة المؤسسات لا تعمل بالانتقائية: إما أن يكون الدليل هو أساس الاتهام في جميع الحالات، أو أن يتحول الخطاب السياسي إلى سوق مفتوحة للشائعات والتشهير.

لا أحد فوق النقد، ولا أحد فوق المساءلة. لكن لا أحد أيضاً ينبغي أن يكون هدفاً لاتهام جنائي لمجرد أن منافسة انتخابية تحتدم حوله. فالمرشح ليس قاضياً، والمنشور ليس محكمة، وعدد المشاركات لا يتحول إلى دليل إثبات.

ومن الخطير جداً أن تتحول مثل هذه الاتهامات إلى «حقائق» في الوعي العام بمجرد تكرارها. ففي زمن المنصات الرقمية، يكفي عنوان مثير ورقم صادم حتى تبدأ ماكينة التداول بالعمل: مشاركة، ثم تعليق، ثم فيديو، ثم إعادة نشر، وبعد ساعات يصبح الادعاء وكأنه واقعة ثابتة، رغم أن أحداً لم يقدم للرأي العام الوثيقة التي تثبته.

وهنا تصبح المسؤولية مضاعفة على الفاعلين السياسيين، لأنهم يعرفون جيداً قوة الكلمة الانتخابية وتأثيرها في الناخب. من السهل جداً أن ترمي اتهاماً في الملأ، لكن من الصعب جداً أن تعيد سمعة شخص أو مؤسسة إلى وضعها الطبيعي بعد أن تكون قد علقت بها تهمة الاتجار بالمخدرات.

إذا كانت قصة «270 طناً» تستند إلى ملف حقيقي، فلتظهر الوثائق، ولتتحرك المؤسسات، ولتبدأ التحقيقات، وليتحمل المتورطون مسؤوليتهم مهما كانت مواقعهم وانتماءاتهم.

أما إذا كان الأمر مجرد ادعاء انتخابي أطلق من دون أساس كافٍ، فإن السؤال لا ينبغي أن يوجه فقط إلى من تعرض للاتهام، وإنما إلى صاحب الاتهام نفسه: هل أنت مستعد لتحمل المسؤولية عن كل كلمة قلتها؟

ذلك هو جوهر المسألة.

فالسياسة لا ينبغي أن تتحول إلى ملجأ لإطلاق الاتهامات ثم التنصل منها. والانتخابات ليست موسماً لإعدام الخصوم معنوياً. والمنافسة الديمقراطية لا تعني أن كل شيء مباح من أجل كسب بضعة أصوات.

المطلوب اليوم ليس حرباً إلكترونية جديدة، ولا اصطفافاً حزبياً أعمى، ولا دفاعاً عن هذا الطرف أو ذاك. المطلوب ببساطة هو الحقيقة.

والحقيقة في مثل هذه القضايا لا تحتاج إلى خطابات نارية، بل إلى وثائق.

لا تحتاج إلى آلاف المنشورات، بل إلى تحقيق.

ولا تحتاج إلى تصفية حسابات انتخابية، بل إلى مؤسسات.

زر الذهاب إلى الأعلى