علوم وتكنولوجيا

جدل في فنلندا.. التكنولوجيا تؤثر على كفاءة الطلاب

 لا يوازي حرص فنلندا على الحفاظ على مركز صدارتها في المؤشرات العالمية لجودة النظم التعليمية، سوى التعامل بكل جدية مع كل ما يصدر من دراسات وأبحاث تهم هذا المجال الحيوي بالنسبة لسمعة وصورة فنلندا كمرجع عالمي في مجال التربية والتعليم.

وقد أثارت خلاصات دراسة لجامعة هلسنكي بخصوص تأثير محتمل للأدوات والتقنيات الحديثة المستخدمة في التعليم وتسببها في تراجع المستوى التعليمي، جدلا كبيرا بالنظر إلى القيمة العلمية للمشرفين على الدراسة، وأيضا لما حملته من معطيات دفعت أكثر من مسؤول فنلندي للمسارعة بالرد على ما ورد من خلاصات للبحث المثير للجدل.

وذكرت هذه الدراسة، التي أشرف عليها دكتور الفلسفة، أينو سارينن، وأستاذة علم النفس، ليزا كيلتيكانجاس-يارفينن، ونقلت خلاصاتها صحيفة "هلسنكي صانومات" العريقة في عدد نهاية الأسبوع، بادئ الأمر بالتفوق الذي عرفه مستوى الطالب الفنلندي سابقا على مقياس "برنامج تقييم الطلاب الدولي" (بيسا)، الذي تشرف عليه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مقابل تراجع مسجل في التصنيف الأخير؛ مرجعة السبب إلى الإفراط في الاعتماد على الوسائل التكنولوجية الحديثة في الفصول الدراسية.

وعلى الرغم من إقرار الدراسة، التي همت 5000 طالب وطالبة من مختلف المستويات، بأن الأدوات الحديثة في المدارس لا يمكن الاستغناء عنها تماما، إلا أنها نبهت إلى "أن استخدام الأجهزة الرقمية يجب أن يكون مدروسا بعناية، بحيث لا يشكل غاية في حد ذاته، بل مجرد وسيلة للتعلم بشكل أفضل"؛ مشيرة إلى أن التحول المكثف نحو الوسائط الرقمية قلل نسبة تركيز الطلاب على المعلومات المقدمة من طرف المدرس.

ولعل أبرز ما ورد في البحث الصادر عن جامعة هلسنكي، تنبيهه إلى التفاوت الحاصل في استيعاب التقنيات الحديثة من طرف طلاب المدارس الابتدائية، لأنه "يطلب الآن من تلاميذ المدارس أن يكونوا مسؤولين ومكتفين ذاتيا"، وهو ما يجعل العديد من الطلاب غير مستعدين لذلك، بالنظر إلى عامل السن أو نظرا لعوامل خارجية، حيث رصدت الدراسة تأخرا في التحصيل لدى بعض التلاميذ الذين ينتمون إلى أسر فقيرة أو أسر مهاجرة أو أقل تعليما أو تلاميذ فقدوا أحد الأبوين.

وفور صدور خلاصات الدراسة، توالت تصريحات المسؤولين الفنلنديين بشأن هذا الموضوع الذي يحظى بحساسية خاصة لدى السياسيين وغيرهم من شرائح المجتمع، التي ترفض كل ما من شأنه أن يخدش الصورة المثالية لتفوق النموذج الفنلندي في التعليم.

وفي هذا الصدد، اعتبر أولي بيكا هاينونن، المدير العام للمجلس الوطني للتعليم، في تصريح لذات الصحيفة، أنه ليس هناك رابط مؤكد بين نتائج تعليم الفئات الأكثر فقرا وأساليب التدريس الجديدة في المدرسة الابتدائية؛ معتبرا أن الرقمنة أصبحت واقعا في عالم اليوم ولا يمكن بأي حال الاستغناء عنها.

وأضاف أن ما ينبغي التأكيد عليه هو "الاستخدام الآمن للأدوات الرقمية، في أي مكان. والمدرسة هي المكان الأنسب لتعلم مهارات من هذا القبيل"، واعتبر أن "أنماط التلقين باعتماد الأدوات الحديثة تمكن الطالب من أن يكتشف بنفسه ما هو الموضوع أو المسألة، وما هي المعلومات التي يتعين العثور عليها وتحديد أهداف التعلم بنفسه. بالإضافة إلى ذلك، يقوم الطلاب بالكثير من العمل الجماعي".

وفي تعليقها على الموضوع، أوضحت وزيرة التربية والتعليم والثقافة في فنلندا، ساني غراهن لاسونين، ل"هلسنكي صانومات"، أن "الأطفال يولدون في مجتمع حيث الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر حاضرة بشكل يومي، وبالتالي لا يمكن للمدرسة أن تكون جزيرة معزولة".

وعلى الرغم من الإقرار بتراجع "طفيف" للطالب الفنلندي على مؤشر (بيسا)، إلا أن الوزيرة لفتت إلى أن الباحثين أينو سارينن، وليزا كيلتيكانجاس-يارفينن، بنيا دراستهما على بيانات المؤشر الذي يرصد الفترة الممتدة من 2012 إلى 2015؛ في حين تم إدماج تغييرات جديدة على المنهج التعليمي في خريف 2016، وبالتالي فإن نجاح أو فشل المناهج الجديدة لا يمكن تقييمه من مواد تم تجميعها من خلال المناهج الدراسية القديمة.

وذكرت الوزيرة بأن إعداد المناهج الدراسية هو بأيدي المهنيين وليس السياسيين، وبالتالي فإن وقت تقييم المناهج الجديدة سيأتي لاحقا.

وفي سنة 2015، أصبحت هذه الدولة الإسكندنافية أقوى دولة في التعليم عالميا حسب تقرير التنافسية العالمية، بالنظر إلى كفاءة المدرسين واستقلاليتهم وجودة التعليم العمومي وتقليص الفوارق المعرفية بين الطلاب.

غير أن "البرنامج الدولي لتقييم الطلبة" المعروف اختصارا ب(بيسا) الذي تشرف عليه "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية"، المعيار الدولي الرئيس لقياس جودة الأنظمة التعليمية في البلدان المختلفة، كشف عن تراجع الطلبة الفنلنديين عن الصدارة في بعض المؤشرات مقارنة بنظرائهم من سنغافورة.

ويسعى المؤشر، الذي يصدر كل ثلاث سنوات، إلى فحص مدى جاهزية الطلاب المقبلين على إنهاء مرحلة التعليم الإلزامي، ومدى استعدادهم للاندماج والمساهمة في بناء المجتمع.

المصدر: الدار – وم ع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى