محطة تنظيمية فارقة: الأحرار يجدد قيادته في أجواء توافقية هادئة

بقلم ياسين المصلوحي
انعقد، يوم 7 فبراير الجاري، المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الجديدة، وذلك بعدما كان عزيز أخنوش، رئيس الحزب، قد أعلن عدم نيته الترشح لولاية جديدة على رأس الحزب، احتراما للنظام الأساسي، والسماح ببروز قيادة سياسية جديدة.
هذا التصرف من الرجل السياسي الأول في المغرب، حسب ما عبرت عنه صناديق الاقتراع، استُقبل بعدة قراءات ودلالات؛ منها من ربطه بضغوط عليا للتنحي عن الحياة السياسية، ومنها من اعتبره احتراما للقانون وتقيدا بضوابط العمل السياسي، البعيدة عن منطق الزعامات الخالدة التي تنهجها عدة أحزاب. غير أن وجود أخنوش في قلب عملية التوافق التي أخرجت مرشحا واحدا لخلافته على رأس الحزب، أظهر، بما لا يدع مجالا للشك، أن الأمر ليس إلا قناعة بأن الحزب لا يتوقف على شخص معين، وأن أخنوش يمكنه مساعدة الحزب ودعمه، سواء من داخل الهياكل التنظيمية أو خارجها، كما عبر عن ذلك صراحة في كلمته.
وخلال كلمته المطولة، أكد أخنوش أن هذه المحطة التنظيمية تشكل مرحلة دقيقة في مسار الحزب، وتعكس تراكم تجربته وتحمله للمسؤولية في سياق وطني مليء بالتحديات، مشيرا إلى أن انخراطه في العمل الحزبي نابع من قناعة بالدور الأساسي للأحزاب في ترسيخ الممارسة الديمقراطية. كما شدد على أن الحزب اختار، منذ البداية، جعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، معتبرا أن بناء الأوطان يقوم على الالتزام الصادق ووضوح الرؤية، وأن المرحلة الحالية تتطلب نموذجا سياسيا يعيد الثقة بين المجتمع والعمل الحزبي. ودعا إلى بلورة رؤية سياسية تجمع بين الواقعية والطموح لمواكبة التحولات التي يعرفها المغرب، في انسجام مع التوجيهات الملكية القائمة على العدالة الاجتماعية وتعزيز المؤسسات. وختم بالتأكيد على أن قوة الحزب نابعة من التزام مناضليه، وأن المسؤولية الراهنة تستدعي تعبئة شاملة لخدمة الوطن.
ولعل المثير في مجريات المؤتمر الاستثنائي هو الجو الهادئ الذي مر فيه، بالنظر إلى بعض مؤتمرات الأحزاب الأخرى التي تعيش أجواء مشحونة، وحالة من الترقب وسط تقاطبات داخلية وانشقاقات وتراشق بالاتهامات وتبادل للنعوت؛ وهو ما لم يُسجل خلال هذا المؤتمر، حيث لم يُلاحظ أي اختلاف حول خليفة أخنوش، ولا أي انسحاب من أي جهة. وقد عكست اللحظات العاطفية التي طبعت المؤتمر، واللقطات المؤثرة لرموز الحزب من الطالبي العلمي وبوسعيد وبنخضراء وغيات وغيرهم من الأطر، الذين لم يستطيعوا التحكم في دموعهم لحظة مغادرة أخنوش لقمرة قيادة الأحرار.
ورغم الاختلاف حول الحصيلة الحكومية، التي تُعد نتاج عمل أغلبية حكومية متنوعة، فإن مؤتمر حزب الأحرار سيظل لحظة فارقة في الكرونولوجيا الحزبية والسياسية بالمشهد المغربي، لكونه من المرات القليلة التي يحترم فيها رئيس حزب مقتضيات نظامه الأساسي، وتُمرر الخلافة السياسية في جو سلس وإيجابي، في لحظة تُبرز اصطفاف البيت الداخلي للحزب وتغليب مصلحته واستقراره على الطموحات الشخصية.






