أخبار الدارأخبار دوليةسلايدر

لبنان أمام قرار تاريخي: حكومة نواف سلام تحصر السلاح بيد الدولة وتحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـحزب الله

الدار/ إيمان العلوي

يشهد المشهد السياسي في لبنان تطوراً غير مسبوق بعد إعلان الحكومة اللبنانية قراراً يعتبر من بين أكثر القرارات حساسية في تاريخ العلاقة بين الدولة وحزب الله، إذ أعلن رئيس الحكومة نواف سلام، عقب اجتماع لمجلس الوزراء عقد في القصر الرئاسي بالعاصمة بيروت، حزمة إجراءات تقضي بحظر الأنشطة الأمنية والعسكرية للحزب واعتبارها خارجة عن القانون، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً لإعادة تثبيت احتكار الدولة للقوة المسلحة داخل الأراضي اللبنانية.

القرار الحكومي يضع لأول مرة إطاراً سياسياً واضحاً لمعالجة مسألة السلاح خارج مؤسسات الدولة، إذ نص على اعتبار أي نشاط عسكري أو أمني تابع لحزب الله غير قانوني، مع إلزام الحزب بتسليم ترسانته العسكرية للدولة اللبنانية في إطار خطة تنفيذية تشرف عليها المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها الجيش اللبناني. كما شدد القرار على مبدأ أساسي في النظام السياسي اللبناني، وهو أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصرياً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية، وليس بيد أي تنظيم أو جهة غير رسمية.

وتضمن القرار كذلك تكليف الجيش اللبناني بوضع خطة أمنية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة، خاصة في المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، وهي منطقة لطالما شكلت محوراً حساساً في التوازنات الأمنية في جنوب البلاد، نظراً لقربها من الحدود مع إسرائيل، حيث شهدت خلال العقود الماضية مواجهات عسكرية متكررة.

ويأتي هذا القرار في سياق إقليمي شديد التعقيد، حيث يعيش الشرق الأوسط مرحلة إعادة رسم لموازين القوى، وسط تصاعد التوترات العسكرية وتزايد الضغوط الدولية على لبنان لإعادة ضبط المشهد الأمني الداخلي. فمنذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية وتوقيع اتفاق الطائف سنة 1989، بقي سلاح حزب الله الاستثناء الأبرز في المعادلة اللبنانية، إذ احتفظ الحزب بترسانة عسكرية كبيرة تحت شعار مقاومة إسرائيل، وهو ما جعله يتحول مع مرور الوقت إلى قوة عسكرية وسياسية مؤثرة في الداخل اللبناني وفي التوازنات الإقليمية.

وتشير العديد من الدراسات الصادرة عن مراكز بحث دولية، من بينها تقارير صادرة عن معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن ومراكز أبحاث أمريكية، إلى أن حزب الله يمتلك واحدة من أكبر الترسانات العسكرية غير الحكومية في العالم، تضم آلاف الصواريخ والأسلحة المتطورة، وهو ما جعله لاعباً محورياً في معادلة الردع مع إسرائيل، لكنه في المقابل أثار جدلاً داخلياً واسعاً حول مسألة سيادة الدولة اللبنانية واحتكارها للسلاح.

كما لا يمكن فصل القرار الحكومي الجديد عن الأزمة الاقتصادية العميقة التي يعيشها لبنان منذ عام 2019، والتي أدت إلى انهيار غير مسبوق في العملة الوطنية وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر، إذ تربط العديد من الدول والمؤسسات المالية الدولية أي دعم اقتصادي مستقبلي للبنان بمدى قدرة الدولة على فرض سلطتها الكاملة على الأراضي اللبنانية وتعزيز مؤسساتها الأمنية.

ويعتقد مراقبون أن حكومة نواف سلام تسعى من خلال هذا القرار إلى توجيه رسالة مزدوجة، داخلياً عبر التأكيد على مبدأ الدولة القوية القادرة على ضبط السلاح، وخارجياً عبر طمأنة المجتمع الدولي إلى أن لبنان يتجه نحو إعادة بناء مؤسساته الأمنية والسياسية وفق قواعد السيادة الوطنية.

غير أن تنفيذ هذا القرار على أرض الواقع يبقى تحدياً معقداً، نظراً للوزن العسكري والسياسي الكبير الذي يمثله حزب الله داخل لبنان، إضافة إلى شبكة التحالفات السياسية التي تربطه بعدد من القوى اللبنانية، فضلاً عن ارتباطه بمحور إقليمي تقوده إيران، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة صياغة معادلة السلاح في البلاد مسألة شديدة الحساسية.

ومع ذلك، يرى محللون أن مجرد صدور هذا القرار يعكس تحوّلاً مهماً في الخطاب السياسي اللبناني، ويؤشر إلى بداية مرحلة جديدة من النقاش حول مستقبل التوازن بين الدولة والتنظيمات المسلحة، في وقت يزداد فيه الضغط الداخلي والدولي على لبنان للخروج من دوامة الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعصف به منذ سنوات.

زر الذهاب إلى الأعلى