كي لا ننسى زلزال أكادير.

في ليلة سكنت فيها الريح وبقي نبض البحر شاهدا، كان التاسع والعشرون من فبراير عام 1960 يخط سطره الأخير في مفكرة الزمن، حاملا معه مفارقة موجعة. اليوم الذي قرر فيه القدر و في تمام الحادية عشرة وأربعين دقيقة ليلا، وبينما كانت أكادير تتنفس طمأنينة الليالي الرمضانية، إنشق صمت الكون عن صرخة زلزالية دامت خمس عشرة ثانية، لكنها كانت كافية لتمحو ملامح مدينة بكاملها، وتستبدل ضجيج الحياة بسكون الركام.
لم يكن زلزال أكادير مجرد هزة حركت طبقات الأرض، بل كانت إنكسارا في وجدان الذاكرة المغربية وذاكرة من عاشوا الفاجعة، فثمة أحزان لا تسعها القواميس. هنا وهناك تحت الأنقاض، إختلطت أحلام الصائمين بتراب الأرض، وهبت السواعد المحلية بـ “فؤوس” الإيمان قبل وصول الآليات الحديثة، لترسم أولى لوحات التضامن الوطني بقيادة الملك الراحل محمد الخامس وولي عهده آنذاك مولاي الحسن طيب الله ثراهما، في ملحمة إنسانية سارعت إليها فرق الإنقاذ من كل فج عميق، لتمتزج دماء المغاربة بعرق المنقذين في مشهد حول أكادير إلى قبلة لضمير العالم.
لكن الحكاية لم تنته عند حدود الردم والركام، فمن قلب تلك الحفرة العميقة ولدت عبارة المغفور له محمد الخامس الخالدة “لئن حكمت الأقدار بخراب أكادير، فإن بناءها موكول إلى إرادتنا وإيماننا”، لستحققت أكادير لقب “مدينة الانبعاث” بجدارة ولتكون عنوان ذلك الفنيق المنبعت من الرماد. فمدينة لم تبنى فقط من الإسمنت والحديد ،بل نبتت من جديد كشجرة أركان أصيلة تتحدى القحط والنسيان. واليوم حين نتأمل المدينة وهي تزهو كجوهرة في خاصرة المملكة، ندرك أن تلك الثواني الخمس عشرة لم تكن نهاية التاريخ، بل كانت مخاض عسير لولادة حاضرة عصرية، تربط شمال المغرب بجنوبه وتجمع بين عبق التاريخ ورهانات المستقبل.
ختاما، أكادير اليوم لم تعد مجرد مدينة سياحية أو قطب اقتصادي، بل أيقونة الصمود التي تعلم الأجيال أن المدن العظيمة وإن سقطن فإنها لا تموت أبدا، بل تنبعث من رمادها لتصاحب الشمس في شروقها كل صباح، شاهدة على أن إرادة الإنسان المغربي أقوى من زحزحة الجبال.






