الحرب في الشرق الأوسط …. صراع القوة

بقلم: ياسين المصلوحي
يعرف العالم اليوم تغيرات كبيرة وتطورات خطيرة على عدة مستويات، لكن أخطرها، حسب المتتبعين، هي تلك المرتبطة بسيادة القانون الدولي. ومن أبرز هذه التحديات نجد الصراعات المسلحة والحروب التي تنسف القانون الدولي وتجعله دون قيمة أمام باقي الفاعلين.
ويكون استخدام القوة العسكرية، حسب القانون الدولي، مبررا بتوفر شرطي حالة الدفاع عن النفس ضد هجوم وشيك، أو بموافقة مجلس الأمن. لكن أغلب الحروب التي تم شنها لم تكن متوفرة على أي من هذين الشرطين، على مر التاريخ، إلا في حالات قليلة.
ويعيد لنا الصراع الدائر حاليا في الشرق الأوسط، بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، النقاش حول فعالية القانون الدولي والهيئات الأممية في تفادي الحروب وإلزام الدول باحترام سيادة وأمن بعضها البعض.
أمريكا، ومنذ عودة ترامب في ولايته الثانية، كان نهجه واضحا: تحقيق السلام بالقوة، أي فرض القوة على كل من يرى فيهم تهديدا لتحقيق السلام العالمي حسب منظوره. حيث استطاع إيقاف الحرب في غزة، التي دارت لسنتين وأكثر، بخطاب واحد وجهه لقوات الاحتلال. كما تدخل في الصراع الهندي-الباكستاني واستطاع إخماده، وقام بمحاولات عديدة لوقف الحرب الروسية الأوكرانية، ملوحا بورقة استخدام القوة في وجه الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا نفسها لدفعها لقبول السلام المعروض. إضافة إلى العملية العسكرية النوعية التي نفذها في حق مادورو، الرئيس الفنزويلي، وغيرها من المحطات التي رسمت ملامح النظام العالمي الجديد، الذي تخلى عن مبادئ النظام العالمي القديم القائم على حقوق الإنسان والديمقراطية والمشروعية الدولية، المحمية بالمنظمات الدولية والهيئات الأممية.
وتجدر الإشارة إلى أن التدخل في سيادة الدول لا يكون دائما بشكل مباشر عبر الحروب والقوة العسكرية، بل قد يكون بقوى ناعمة، من قبيل التغلغل الإعلامي أو دعم سياسي لتيار معين، مثل ما تقوم به إيران نفسها منذ سنوات في عدد من دول المنطقة، من خلال تبنيها ودعمها وشراكتها الاستراتيجية مع حزب الله في لبنان، ومليشيات الحوثيين في اليمن، والجماعات الشيعية المسلحة في سوريا والعراق. كما أن تعرضها للهجمات العسكرية من أمريكا جعلها تستبيح، بدورها، سيادة بعض دول المنطقة، كالسعودية والإمارات وقطر والبحرين، حيث تجاوزت استهداف القواعد العسكرية الأمريكية إلى استهداف مبان ومساكن ومنشآت مدنية، وبالتالي تفقد نفسها حق المطالبة باحترام سيادتها والالتزام بالقانون الدولي، ما دامت هي أيضا قامت بانتهاكه.
كل هذه الأحداث، بقدر ما توضح بشكل جلي عقم القانون الدولي وعجز الهيئات الأممية عن استتباب الأمن ولعب الدور الذي وجدت أساسا لأجله في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بقدر ما تعمل، في الوقت نفسه، كمحرك لتطوير المنظومة الدولية والخروج من النمط التقليدي والبحث عن بدائل لفرض احترام القانون، خصوصا فيما يتعلق بمسألة التمويل والدعم المالي التي تعتبر أكبر تحد للهيئات الدولية. فكيف يمكنها إلزام الدول المانحة والممولة بقواعد قانونية هي التي تدفع أجر وتعويضات من يصوغها ويسهر على تطبيقها؟






