مضيق هرمز من جيوبوليتيك الطاقة إلى خطر صراع الألياف الضوئية

الدار/
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي محكوم بعبور ناقلات النفط والغاز، بل تحول في ظل الثورة التكنولوجية الرابعة إلى نقطة ارتكاز جيورقمية فائقة الحساسية. فالتهديدات الأخيرة بقطع كابلات الألياف البصرية في هذا الممر الضيق لا تمثل مناورة عسكرية عابرة، بل تؤسس لنمط جديد من الصراع الدولي يعرف بـالجغرافيا السياسية للبيانات في مشهد يعاد فيه تعريف القوة، حيث تصبح السيطرة على أعماق البحار وتدفق المعلومات موازية في قيمتها الإستراتيجية للسيطرة على تدفقات الطاقة التقليدية. ولتجاوز معها التهديدات الأخيرة لإيران بقطع الكابلات البحرية في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز حدود المناورة العسكرية التقليدية، لتدخل العالم في أتون مرحلة جديدة من الجغرافيا السياسية الرقمية، حيث لم يعد المضيق مجرد شريان لتدفق الهيدروكربونات، بل بات العصب الحيوي لنبض البيانات العالمي ومستقبل الذكاء الإصطناعي.
إن القراءة الاستشرافية لواقع البنية التحتية الرقمية تشير إلى أن أي مساس بسلامة الألياف الضوئية القابعة في قاع الخليج سيعني بالضرورة إحداث سكتة دماغية في منظومة الحوسبة العالمية، بالنظر إلى أن مضيق هرمز يعمل كجسر إتصالي وحيد يربط مراكز البيانات الكبرى في أوروبا بأسواق التكنولوجيا المتفجرة في شرق آسيا والهند. ومع صعود دول الخليج كقوى تكنولوجية رائدة تستثمر المليارات في بناء مراكز بيانات عملاقة، وتدوير نماذج ذكاء إصطناعي سيادي، فإن تحويل المضيق إلى ساحة صراع رقمي يضع سلاسل توريد القدرة الحسابية العالمية في مهب الريح. إن خطورة هذا النوع من التهديدات تكمن في كونها تضرب السيادة الرقمية للدول، حيث أن إنقطاع التدفق المعلوماتي سيؤدي إلى إرتفاع حاد في زمن الإستجابة وإضطراب في معالجة البيانات الضخمة الضرورية لتشغيل الأنظمة الذكية والأسواق المالية العالمية. وفي ظل غياب بدائل فورية بنفس السعة والكفاءة، فإن مضيق هرمز يتحول اليوم من ممر مائي للناقلات إلى نقطة اختناق رقمية قادرة على إعادة صياغة موازين القوى التكنولوجية الدقيقة، مما يجعل حماية أعماق البحار لا تقل أهمية إستراتيجية عن حماية الممرات الملاحية فوق سطح الماء، في عالم بات فيه التفوق لمن يمتلك السيطرة على تدفق المعلومة قبل السيطرة على تدفق الوقود.
ختاما، إن التحول التاريخي الذي يشهده مضيق هرمز من ممر للهيدروكربونات إلى عصب للذكاء الاصطناعي يفرض على المجتمع الدولي صياغة عقيدة أمنية جديدة. فحماية “الأمن السيبراني في قاع البحار ليس فقط عمل تقني، بل يعتبر جوهر الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.
كما أن من يمتلك القدرة على تأمين أو تعطيل تدفق البيانات عبر مضيق هرمز، يمتلك في الواقع مفاتيح السيادة السيبرانية العالمية الجديدة حيث لم يعد الصراع على من يغذي محركات الصناعة بالوقود، بل على من يغذي عقول الآلات بالبيانات الدقيقة.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي .






