المغرب والسنغال بين وحدة المصير وتحديات السيادة في زمن التحولات الجيوسياسية.

تستدعي منا كل قراءة متأنية في مسار العلاقات المغربية السنغالية، إستحضار عمق تاريخي لم يكن في يوم من الأيام رهين صدفة الجغرافيا أو مجرد لحظة عابرة لمصالح سياسية لنخب جديدة كان عليها تجاوز الخطابات الشعبوية والإنتخابية، بل هو تلاحم وجودي صاغته قرون من التمازج الروحي عبر الزوايا الصوفية التي جعلت من فاس العاصمة العلمية للمملكة و دكار حاضرة ماكان يعرف ببلاد السودان ، إنهما قطبين لرحى هوية دينية وأخلاقية مشتركة. إن هذا الإرث الثقيل الذي وضعت لبناته الأولى حكمة الملك محمد الخامس والرئيس ليوبولد سيدار سنغور رحمهما الله ، ثم ترسخت معالمه مع الملك الحسن الثاني طيب الله تراه، لم يكن مجرد تحالف ديبلوماسي، بل كان رؤية استباقية لبلدين أدركا مبكرا أن أفريقيا لا يمكن أن تستعيد قرارها السيادي إلا عبر جسور التعاون جنوب جنوب.
ومن هذا التاريخ العظيم إنبثقت محطات مصيرية، بدأت من الموقف السنغالي التاريخي والراسخ في دعم مغربية الصحراء، وصولا إلى الإنسحاب التضامني لدكار من منظمة الوحدة الأفريقية عقب قبول عضوية كيان وهمي سنة 1984، وهي اللحظة التي برهنت فيها السنغال أن مبادئ الشرعية التاريخية تعلو فوق حسابات الأيديولوجيا العابرة.
إن ما يعرفه المشهد السياسي السنغالي اليوم من تدفقات خطابية جديدة، تتسم بشيء من الانفعال الشعبوي أو “الهفوات” الديبلوماسية التي تحاول مغازلة تيارات السيادة الأفريقية بلغة قد تبدو حادة، لا ينبغي أن يقرأ بمعزل عن سياق المخاض الداخلي لساسة جديد حاولوا دون حكمة إثبات قطيعتهم مع ماضي مغروس بداكرة الشعبين الشقيقين المغربي والسنغالي. إلا أن السياسة في جوهرها الرصين، تظل فن الممكن المرتكز على الثوابت، وثابت العلاقة بين البلدين هو أن مفهوم “أفريقيا الـ 55 دولة” التي يتم التلويح بها وياليتها كانت زلة لسان ممن كان عليه التدقيق في خطابه الذي تناوله الاعلام الافريقي والدولي ببالغ الدهشة، إفريقيا التي لن تجد قوتها في التشرذم أو في تبني إملاءات قوى إقليمية معادية للوحدة الترابية للمغرب، بل في تكتل الدول الوازنة التي تمتلك قرارها المستقل. فالتاريخ يشهد أن المغرب والسنغال لم يكونا يوما أدوات في يد التبعية الخارجية، بل هما اللذان قادا الحوار الأفريقي الأفريقي لتحويل القارة من ساحة للصراعات الدولية إلى قطب إقتصادي واعد، كما يتجسد اليوم في مشروع أنبوب الغاز العملاق والمبادرة الأطلسية.
إن الهفوات والأخطاء غير محسوبة العواقب التي قد تنزلق إليها بعض الخرجات الرسمية، تظل في ميزان الدولة العميقة السينغالية أولا والمصالح العليا للمملكة المغربية بقيادة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، مجرد زبد يذهب جفاءا بينما يمكث في الأرض ما ينفع البلدين من ترابط إستراتيجي وأمن روحي وقومي مشترك. فلا يمكن للإستفزازات التي يغذيها خصوم السيادة المغربية، ولا للإنزلاقات التي قد تفرضها ظروف التعبئة الانتخابية أو الداخلية، أن تنال من بناء شيدته دماء المشترك التاريخي وعرق البناء التنموي.
ختاما، إن دولة السنغال و بمؤسساتها العريقة ووعي نخبها ومتنوريها، تدرك اليقين أن المغرب ليس مجرد حليف تاريخي ، بل هو العمق الإستراتيجي الذي لا يمكن الإلتفاف عليه في أي مشروع نهضوي أفريقي حقيقي، وأن أي محاولة لإعادة صياغة المواقع في رقة جيوسياسية صاعدة، يجب أن تنطلق من تعزيز هذا المحور لا من محاولة القفز على حقائقه الراسخة، لأن القيادة الأفريقية الحقيقية هي تلك التي تجمع الشتات لا تلك التي تستخدم لغة الإستفزاز لتبرير مواقف تفتقر إلى العمق التاريخي والشرعية القانونية.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي .






