صحيفة «إلباييس» مطالبة بالاعتذار عن رواية مبتورة حول وفاء المغربية التي وصلت إلى سبتة

الدار/ إيمان العلوي
أثارت المقابلة التي نشرتها صحيفة «إلباييس» الإسبانية مع الشابة المغربية وفاء، التي وصلت سباحة إلى سبتة في 30 يوليو الماضي، جدلاً واسعاً بسبب الصورة التي قدمتها الصحيفة عن ظروف حياتها السابقة ودوافع مغادرتها المغرب. فبينما ركز التقرير على رواية الشابة بشأن القيود التي قالت إنها تعرضت لها داخل أسرتها، فإن معطيات وصوراً منشورة على حساباتها وشبكات التواصل الاجتماعي تقدم تفاصيل أخرى كان من الضروري إدراجها حتى تكون الصورة أكثر اكتمالاً وتوازناً.
تقول وفاء، البالغة من العمر 28 عاماً، خلال المقابلة التي نشرتها «إلباييس»، إنها غادرت المغرب بسبب ما وصفته بقيود عائلية حالت دون مواصلة دراستها والسفر، مؤكدة أن أسرتها كانت تريد منها البقاء في المنزل، وأنها شعرت بأن مستقبلها كان خاضعاً لقرارات الآخرين. وتقول في المقابلة إن النساء، في نظر محيطها العائلي، أقل من الرجال، وإنها لم تكن حرة في اتخاذ قرارات تتعلق بمستقبلها.
لكن المشكلة لا تكمن في نقل شهادة وفاء أو في منحها حق التعبير عن تجربتها الشخصية، وإنما في تقديم هذه الشهادة للقارئ وكأنها الصورة الكاملة لحياتها، من دون التوقف بما يكفي عند معطيات أخرى تظهرها صور منشورة قبل وصولها إلى سبتة.
فالصور المتداولة من حساباتها ومنشورات أخرى على منصة «إكس» تظهر أن وفاء سبق أن غادرت المغرب في مناسبات متعددة، وأنها زارت دولاً ووجهات سياحية خارج البلاد. ومن بين الصور التي تم تداولها صور لها في قطر وتركيا، فيما تشير منشورات أخرى إلى سفرها إلى دبي وماليزيا.
وتظهر إحدى الصور الشابة في مدينة لوسيل بقطر داخل ملعب، مرتدية ألوان المنتخب المغربي خلال المونديال، بينما تظهر صور أخرى وجودها في منطقة باموق قلعة السياحية في تركيا خلال رحلة في سبتمبر 2025. كما جرى تداول صور مرتبطة برحلات أخرى خارج المغرب.
وهذه المعطيات لا تثبت، بطبيعة الحال، من دفع تكاليف تلك الرحلات، ولا تكشف طبيعة الظروف العائلية التي كانت تعيشها وفاء في كل مرحلة من حياتها، ولا تنفي بالضرورة وجود قيود أسرية في جوانب أخرى. لكنها، في المقابل، تجعل من غير الدقيق تقديم رواية مفادها أن الشابة كانت ممنوعة من السفر بشكل مطلق، من دون توضيح أن لديها سجلاً سابقاً من السفر الدولي.
وهنا تحديداً تبرز مسؤولية «إلباييس» المهنية. فالصحيفة لم تكن مطالبة بتكذيب وفاء أو التشكيك في تجربتها الشخصية، لكنها كانت مطالبة بطرح الأسئلة اللازمة، والتحقق من المعطيات المتاحة، وتقديم سياق أوسع للقارئ. عندما تقول الشابة إن عائلتها كانت تمنعها من السفر، بينما توجد صور علنية لها في دول متعددة قبل وصولها إلى سبتة، فإن هذا التناقض يستحق أن يُذكر بوضوح داخل التقرير، لا أن يُترك خارج الرواية.
كما أن قصة وفاء، وفق ما ورد في المقابلة نفسها، لا تتعلق بحرب أو مجاعة أو كارثة إنسانية دفعتها إلى الفرار. فهي تتحدث أساساً عن خلافات عائلية وشخصية ودينية، وعن رغبتها في بناء حياة جديدة في إسبانيا. وتقول إنها لا تتفق مع المعتقدات الدينية لعائلتها، بينما تصف أسرتها بأنها مسلمة، كما تتحدث عن توقف دراستها ورغبتها في مواصلة حياتها بعيداً عن الضغوط التي تقول إنها تعرضت لها.
وتكشف الشابة أيضاً أنها عملت في مجال الاستقبال في الفنادق والمطاعم، وأنها تتحدث الإنجليزية ولديها معرفة باللغة الفرنسية، وأنها تتعلم الإسبانية. وهي معطيات ترسم صورة أكثر تعقيداً لشخصيتها ومسارها قبل الوصول إلى سبتة، ولا تجعلها مجرد امرأة لم تكن قادرة على مغادرة بلدها أو السفر كما قد يفهم القارئ من الرواية المبسطة.
بعد وصولها سباحة إلى سبتة في 30 يوليو، تغيرت ظروف وفاء بصورة كبيرة. فهي، بحسب الرواية المنشورة، تقيم منذ ذلك الحين في محيط مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين «CETI»، وتقول إنها تشعر بالخوف خلال الليل بسبب المشاكل التي تقع في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تؤكد أن هدفها النهائي هو الوصول إلى برشلونة، حيث تأمل في العثور على عمل والاستفادة من خبرتها في قطاع الضيافة ومعرفتها باللغات.
وبالتالي، فإن هناك فرقاً واضحاً بين صورتين: صورة وفاء الحالية، وهي شابة وصلت سباحة إلى سبتة وتعيش في ظروف صعبة في محيط مركز استقبال المهاجرين، وصورتها السابقة التي تظهر في منشوراتها أثناء رحلات خارج المغرب وفي وجهات دولية مختلفة.
ولا يعني كشف هذه المعطيات التقليل من أي معاناة شخصية قد تكون وفاء عاشتها داخل أسرتها، ولا يعني أن السفر السابق ينفي وجود مشكلات عائلية أو اجتماعية. لكنه يعني ببساطة أن الصحافة مطالبة بتقديم جميع العناصر المهمة التي تساعد القارئ على تكوين حكم مستقل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضية حساسة مثل الهجرة غير النظامية وصورة المغرب والمجتمع المغربي في الإعلام الإسباني.
إن نشر قصة إنسانية أمر مشروع، ونقل شهادة مهاجرة أمر مشروع أيضاً، لكن تحويل الشهادة الفردية إلى صورة عامة عن المجتمع المغربي يتطلب قدراً أكبر من التدقيق والمسؤولية. كما أن استخدام أوصاف تحمل إيحاءات اجتماعية مثل «pija marroquí» يطرح بدوره أسئلة حول اللغة التي اختارتها المادة وطريقة تقديم شخصية الشابة للجمهور الإسباني.
لهذا السبب، فإن المطلوب من صحيفة «إلباييس» ليس حذف قصة وفاء ولا إسكاتها، وإنما تصحيح الصورة عندما تظهر معطيات جديدة أو مهملة ذات صلة مباشرة بما ورد في المقابلة. وإذا كانت الصحيفة قد قدمت للقارئ رواية ناقصة بسبب عدم الإشارة إلى رحلاتها الدولية السابقة رغم وجود صور متاحة، فإن الاعتراف بذلك ونشر توضيح أو تصحيح مناسب سيكون خطوة مهنية ضرورية.
الاعتذار هنا ليس عن إجراء مقابلة مع وفاء، ولا عن نقل معاناتها كما ترويها، وإنما عن احتمال تقديم رواية أحادية الجانب للقارئ، خصوصاً عندما تتعارض بعض عناصرها مع معطيات بصرية منشورة مسبقاً. فالصحافة المهنية لا تكتفي بسرد الرواية الأكثر تأثيراً، بل تضعها في سياقها وتعرض التناقضات والأسئلة التي تساعد الجمهور على فهم الحقيقة كاملة.
ومن حق وفاء أن تُسمع روايتها، ومن حق القارئ في المقابل أن يعرف أيضاً أنها كانت قد سافرت خارج المغرب قبل وصولها إلى سبتة. وبين الأمرين لا توجد ضرورة للاختيار: يمكن أن تكون الشابة قد عاشت خلافات أو قيوداً عائلية، وفي الوقت نفسه تكون قد سافرت إلى الخارج في مناسبات متعددة. هذه التفاصيل ليست متناقضة بالضرورة، لكنها ضرورية حتى لا تتحول القصة الإنسانية إلى رواية مبتورة.
ولهذا، فإن «إلباييس» مطالبة بمراجعة المادة المنشورة، وإضافة المعطيات التي أغفلتها، وتوضيح التناقض المتعلق بادعاء منع السفر، وتقديم اعتذار مهني واضح إذا ثبت أن التقرير قدم للقارئ صورة غير مكتملة عن حياة وفاء السابقة. فالمصداقية الصحفية لا تُقاس فقط بقدرة الصحيفة على نقل شهادة مؤثرة، وإنما أيضاً باستعدادها للاعتراف بالنقص وتصحيحه عندما تظهر معلومات جوهرية كان ينبغي أن تكون جزءاً من القصة منذ البداية.






