أخبار الدارسلايدر

خريطة الحركات الانفصالية في إسبانيا: أقاليم تبحث عن حق تقرير المصير

الدار/ إيمان العلوي

لا تبدو إسبانيا، رغم تماسك مؤسساتها ووحدة أراضيها، بمنأى عن نقاشات الهوية القومية ومطالب تقرير المصير. فمنذ عقود، تشهد مناطق مختلفة داخل الدولة الإسبانية تنامي تيارات سياسية وثقافية ترى أن خصوصيتها التاريخية واللغوية تبرر المطالبة بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي، وصولاً لدى بعض القوى إلى الدعوة الصريحة للاستقلال وإقامة دول مستقلة عن مدريد.

وتتصدر كتالونيا المشهد باعتبارها الحالة الأكثر حضوراً على الصعيدين السياسي والإعلامي. فقد تحولت النزعة الانفصالية فيها إلى مشروع سياسي واسع، تقوده أحزاب وتنظيمات مدنية وقومية مؤثرة، من بينها «الجمعية الوطنية الكتالونية» (Assemblea Nacional Catalana). ولا يقتصر الطرح الكتالوني على توسيع صلاحيات الحكم الذاتي، بل يصل لدى قطاعات سياسية وازنة إلى المطالبة بإقامة جمهورية كتالونية مستقلة، وهو ما جعل العلاقة بين برشلونة ومدريد واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في إسبانيا.

وفي شمال البلاد، يحتفظ إقليم الباسك بخصوصية قومية راسخة، تستند إلى تاريخ طويل من المطالبة بالاعتراف بالهوية الباسكية وبحقها في تقرير مستقبلها السياسي. ورغم التحولات التي شهدها المشهد السياسي خلال السنوات الأخيرة، ما تزال قوى قومية ذات توجهات استقلالية حاضرة بقوة، ومن أبرزها التيار السياسي المرتبط بـ«EH Bildu»، الذي يطرح تصوراً سياسياً يقوم على تعزيز السيادة وحق تقرير المصير للأراضي التي يعتبرها جزءاً من الأمة الباسكية.

وترتبط القضية الباسكية أيضاً بنافارا، وإن كانت المطالب الانفصالية فيها أقل وضوحاً وأضعف حضوراً مقارنة بكتالونيا والباسك. فهناك تيارات قومية باسكية تعتبر نافارا جزءاً من المجال التاريخي والثقافي المعروف باسم «إوسكال هيريا» (Euskal Herria)، وتدافع عن حق سكانها في تقرير وضعهم السياسي. إلا أن هذا الطرح يظل موضع خلاف سياسي ومجتمعي كبير داخل الإقليم نفسه.

أما غاليسيا في شمال غرب إسبانيا، فتقدم نموذجاً مختلفاً للقومية الإقليمية، إذ ترتكز المطالب فيها بدرجة كبيرة على الخصوصية اللغوية والثقافية والتاريخية. وتتبنى قوى سياسية مثل «الكتلة القومية الغاليسية» (BNG) خطاباً يؤكد أن غاليسيا أمة تتمتع بهوية خاصة، مع الدفاع عن حقها في تقرير مستقبلها السياسي. ومع ذلك، فإن الدعوات إلى الاستقلال الكامل لا تحظى فيها بالثقل الشعبي والسياسي نفسه الذي تتمتع به في كتالونيا أو إقليم الباسك.

وفي أقصى الجنوب الغربي، تظهر الأندلس كحالة أخرى ذات جذور قومية تاريخية. فقد نشأت فيها منذ وقت مبكر أفكار تؤكد خصوصية الشخصية الأندلسية، وتطورت لاحقاً إلى تيارات سياسية صغيرة تتبنى تصوراً أكثر راديكالية يقوم على إقامة دولة أندلسية مستقلة. ومن بين هذه التنظيمات «Nación Andaluza»، التي تطرح مشروعاً سيادياً منفصلاً عن الدولة الإسبانية، وإن ظل تأثير هذا التيار محدوداً مقارنة بالقوى القومية الكبرى في إسبانيا.

ولا تقتصر المطالب ذات الطابع الانفصالي على البر الإسباني، إذ توجد في جزر الكناري أيضاً تيارات قومية واستقلالية تنظر إلى الأرخبيل باعتباره كياناً ذا خصوصية سياسية وتاريخية، وتدعو بعض التنظيمات فيه إلى الانفصال عن إسبانيا. غير أن الحركة الاستقلالية الكنارية بقيت، من حيث الوزن السياسي والشعبي، أكثر محدودية من نظيراتها في كتالونيا والباسك.

وتكشف هذه الحالات مجتمعة أن سؤال الوحدة الإسبانية لا يتعلق فقط بمواجهة بين الحكومة المركزية وحركات تطالب بالانفصال، بل يرتبط أيضاً بتعدد التصورات حول معنى الدولة والهوية والسيادة. فبينما تركز مدريد على مبدأ وحدة الأراضي الإسبانية، ترى الحركات القومية أن الخصوصيات التاريخية واللغوية والثقافية تمنح بعض الأقاليم حقاً في تقرير مستقبلها السياسي.

ومع ذلك، لا يمكن وضع جميع هذه الحركات في خانة واحدة؛ فالفوارق بينها كبيرة من حيث حجم التأييد الشعبي، وقوة التنظيم السياسي، وطبيعة المطالب، ومدى انتقال الخطاب من المطالبة بالحكم الذاتي إلى الدعوة للاستقلال الكامل. ولذلك تبدو الخريطة الانفصالية داخل إسبانيا متعددة المستويات، تبدأ من القومية الثقافية والمطالبة بصلاحيات أوسع، مروراً بحق تقرير المصير، وصولاً إلى مشاريع سياسية تسعى إلى تأسيس دول مستقلة.

تظل إسبانيا واحدة من أبرز النماذج الأوروبية التي تكشف صعوبة الموازنة بين وحدة الدولة وتعدد الهويات القومية داخلها. وبينما خفتت حدة بعض الملفات في فترات معينة، فإن استمرار الحركات القومية في كتالونيا والباسك ووجود تيارات مماثلة، بدرجات متفاوتة، في نافارا وغاليسيا والكناري والأندلس، يعني أن قضية الهوية الإقليمية والسيادة ستظل حاضرة في النقاش السياسي الإسباني لسنوات مقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى