حين يتحول المغرب إلى خصم جاهز لتبرير الإخفاق الإسباني في تدبير الهجرة غير النظامية وإستغلال سبتة المحتلة مزادا للإنتخابات.

ما ثم تداوله من سجال داخل البرلمان الإسباني لا يندرج في باب النقد السياسي المشروع بقدر ما يكشف عن إنتقال بعض أطراف اليمين المتطرف من مساءلة الحكومة إلى صناعة عدو خارجي يصلح لتعبئة الناخبين وتغطية العجز الداخلي. فاتهام المغرب بإرسال عشرات الآلاف من الأشخاص لإسقاط الحكومة الإسبانية، والزج بواشنطن وتل أبيب والأجهزة الأمنية والقضائية في مؤامرة واحدة، ثم المس بالإحترام الواجب لرئيس دولة ذات سيادة كاملة وعضو فاعل داخل الأمم المتحد وقوة صاعدة، وووصف بأوصاف مسرت شعور كل المغاربة، لن يعتبر أبدت بالتحليل البرلماني الرصين لحدث هجرة غير نضامية تتحمل فيه أسبانيا نفسها المسؤولية الكبيرة،كما لن يقبل كموقف مؤسسي، وإنما إتهام بالغ الخطورة يفتقر،ط إلى حدود المعطيات المعلنة و إلى الدليل الأمني و الإستخباراتي الحاسم. لقد أكد رئيس الحكومة الإسبانية نفسه أمام البرلمان عدم وجود دليل يثبت أن الدولة المغربية دبرت عملية العبور، مع إقراره بوقوع إختلالات أمنية واستخباراتية تستوجب التحقيق والمراجعة، وهو تمييز أساسي بين ثبوت قصور في المراقبة وبين إثبات قرار رسمي بإستعمال الهجرة غير النضامية كسلاح سياسي.
ولنعد عزيزي المتلقي الى أيام قليلة ماضية القريب للوقوف على المرسوم الملكي الإسباني رقم 681/2026، الصادر في 25 غشت والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 26 غشت 2026، فإنه أثبت وبشكل رسمي جسامة الأزمة الناجمة عن بقاء عدد مرتفع من المهاجرين في سبتة المحتلة وتجاوزها القدرات العادية للإدارة والاستقبال والمساعدة والأمن، ولذلك أعلن المرسوم هذا التغر المغربي المحتل بكونة في “وضعية ذات أهمية للأمن القومي” إلى غاية 31 دجنبر 2026.غير أنه لم ينسب في منطوقه تدبير التدفق إلى الدولة المغربية، كما أنه لا يشكل حكم بثبوت العدوان أو الحرب الهجينة، بل هو إطار قانوني لتنسيق موارد الدولة الإسبانية والمدينة المحتلة لمواجهة أزمة مركبة. ومن ثم فإن تحويله إلى شهادة إتهام ضد المغرب يمثل قراءة سياسية تتجاوز ما أثبته النص القانوني ذاته.
ولنعد بعد المرسوم المذكور، لنجزم أن هذه الأزمة جاءت في لحظة إنتخابية شديدة الحساسية، ولذلك سرعان ما إنتقلت من حدود سبتة المحتلة إلى قلب الصراع على السلطة في مدريد. فاليمين واليمين المتطرف لا يناقشان فقط كيفية تدبير الهجرة، بل يسعيان إلى تثبيت صورة حكومة ضعيفة وعاجزة عن حماية الحدود مقابل تصوير المغرب كقوة صاعدة تتحكم في القرار الإسباني. وهنا يصبح الخوف مادة إنتخابية، والمهاجر أداة للدعاية، والمغرب خصم جاهز تحمل له مسؤولية كل إخفاق سياسة الحكومة الإسبانية في تدبير ملف الهجرة. فضلا على أنه لا يمكن إستبعاد مساهمة بعض القوى السياسية المحلية في سبتة ومليلية المحتلتين، بما لها من مصلحة في إبقاء الملف السيادي والهوياتي في واجهة النقاش العمومي الإسباني في تأجيج الإحتقان والضغط على الحكومة المركزية، غير أن القول بأن المغرب خطط للأزمة أو صنعت التدفق نفسه فهو إتهام مجرد يحتاج إلى أدلة دامغة ولا يجوز أن يتحول الإستنتاج السياسي إلى حقيقة مقررة من دون تحقيق موثوق.
كما تؤكد المظاهرات المنظمة أمام السفارة المغربية في مدريد هذا الإنتقال من الإحتجاج على التدبير الحكومي إلى تعبئة قومية معادية للمغرب، وذلك بالنظر لعدد المشاركين فيها والمقدر بنحو 1200 شخص.هذه المظاهرات التي رفعت خلالها شعارات تحمل الرباط ومدريد معا مسؤولية الأزمة. غير أن تمزيق العلم الوطني المغربي و إهانته خلال تجمعات شاركت فيها تنظيمات متطرفة، فهو أمر لا ينبغي اختزاله في تصرف هامشي لأنه يمس رمز دولة تربطها بإسبانيا شراكة إستراتيجية مهمة ، كما أنه فعل من شأنه أن يغذي الكراهية و والاعتداءات على أفراد الجالية المغربية. وهو ما يضع الحكومة الإسبانية أمام مسؤولية كاملة و القضاء أمام ضرورة فتح تحقيق في الوقائع ،فتمزيق العلم الوطني المغربي هو إنتقال حرية التظاهر إلى التحريض العنصري أو العنف والمس برمز من رموز سيادة الدولة المغربية،فهذه الواقعة المشينة تدخل في خانة تدنيس علم دولة ذات سيادة، وتعتبر خرقا صارخا لإتفاقية فيينا، التي تم توقيعها سنة 1991، وتم تعديلها سنة 1993.
في ذات موضوع مقالنا نكشف الغشاوة السياسية عن إدعاء إستدعاء السفيرة المغربية، أو القائم بالأعمال نيابة عنها لوجودها خارج إسبانيا، فالأمر يكشف بدوره طبيعة العلاقة بين البلدين، القائمة على شراكة عميقة لكنها ليست خالية من التناقضات بسبب ملفات جد حساسة تعود الى الحقبة الاستعمارية، فالتعاون الأمني والإقتصادي والتجاري ومحاربة الإرهاب وتدبير الهجرة يجعل المغرب شريك لا تستطيع مدريد الاستغناء عنه، بينما تظل سبتة ومليلية المحتلتين خط سيادي أحمر في العقيدة السياسية الإسبانية، وملف تاريخي لم يغلق في الوعي الوطني المغربي. ولذلك كان الإحتجاج الدبلوماسي الإسباني على التصريحات المتعلقة بالمدينتين رسالة لتحديد سقف الشراكة، وليس إعلان عن انهيارها أو مقدمة حتمية لقطع العلاقات.
أما الدعوة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع المغرب، فهي شعار إنتخابي أكثر منها خيار قابل للتنفيذ، لأن كلفته ستصيب إسبانيا والإتحاد الأوروبي، وستضعف وبشكل عملي التنسيق الحدودي والأمني الذي ما فتئ الإتحاد الأوربي يطالب بلدي الضفتين بتقويته. كما أن وصف المغرب بالنظام الشمولي ومساواة الخلافات الحقوقية والسياسية بحكم قطعي على الدولة والمجتمع، لا يخدم حقوق الإنسان بل يحولها إلى أداة انتقائية في الصراع الحزبي. ومن المفارقة أن من يطالب بإنهاء التعاون مع المغرب يحتج في الوقت نفسه على ضعف مراقبة الحدود، لا تحميل غيره لوحده نتائج سياسة أوروبية جعلت دول الجنوب حارس خارجي لحدودها، وهذا ما يرفضه المغرب، ومن دون معالجة عادلة لأسباب الهجرة أو فتح مسالك قانونية وآمنة.
والمغرب الذي كشفت نتائج تحقيقاته المتعلقة بأحداث سبتة المحتلة، العدد الضخم من الشبكات الرقمية المحرضة وشبكات عصابات الإتجار بالبشر وأوجه الخلل الميداني في التنسيق بين إدارة سبتة ومليلية المحتلتين.
لكن الرد المغربي الأجدى لا يكون بالانفعال أو الشتيمة المضادة، بل بالدبلوماسية الصارمة، وبالمعلومة الموثقة، وبالمطالبة بتحقيق مشترك أو أوروبي مستقل يحدد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية. كما ينبغي مواجهة إهانة الرموز الوطنية والتحريض على المغاربة عبر القانون والقنوات الدبلوماسية، لا عبر تعميم العداء على الإسبان أو تحويل الخلاف إلى مواجهة بين الشعبين.
إن أخطر ما في هذه الأزمة ليس فقط ما وقع على الحدود، بل الحرب على تفسير ما وقع. فهناك من يريد جعل المهاجر دليل على غزو جديد،و جعل المغرب عنوان للمؤامرة، والحكومة الإسبانية رمز للخيانة في تركيب دعائي يستبدل الوقائع بالإثارة ويستثمر القلق الإجتماعي قبيل الانتخابات. وهنا يتجلى الدور الحقيقي لمثقفي المغرب ونخبه ومتنوريه، أن يكونوا درع معرفي وأخلاقي في مواجهة التضليل، يدافعون عن الدولة ومؤسساتها بالحجة لا بالشعارات ويميزون بين النقد المشروع والإهانة، وبين المسؤولية المحتملة والإتهام المجاني، وبين الدفاع عن المصالح الوطنية والإنجرار إلى قومية عنصرية مقيتة.
ختاما، إن الأزمة الحالية لن تؤدي إلى قطيعة مغربية إسبانية، بل إلى شراكة أكثر حذر وصلابة في ملفات أمن الحدود والأستباق الإستخباراتي، تقابلها صرامة إسبانية أكبر في كل ما يتصل بسبتة ومليلية المحتلتين. كما ستظل القضية حاضرة في الحملات الانتخابية، لأن اليمين المتطرف وجد فيها مادة تجمع بين الهجرة والسيادة والأمن وإضعاف الحكومة. وسيكون التحدي أمام إسبانيا هو منع تحويل الأزمة إلى ترخيص للكراهية، وأمام المغرب منع خصومها من ملئ فراغ المعلومة بالمغالطات والأخبار الكادبة. فالدول لا تحمي صورتها بالصمت ولا تحميها بالمبالغة ،وإنما تحميها بقوة المؤسسات ووضوح الرواية الإعلامية ودقة الدليل السياسي، وحكمة الموقف الديبلوماسي. أما الاتهامات التي لا يحملها تحقيق ولا يسندها برهان، فمهما إرتفع صوتها تحت قبة البرلمان تظل دعاية انتخابية فاشلة.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.






