الجنسية الإسبانية للصحراويين.. مدريد تفتح نافذة على الماضي الاستعماري وتضع شراكتها مع الرباط أمام اختبار جديد

الدار/ إيمان العلوي
لم يعد قرار مجلس النواب الإسباني بشأن منح إمكانية الحصول على الجنسية الإسبانية لفئة من الصحراويين المولودين في الصحراء قبل سنة 1977 وأبنائهم مجرد مبادرة ذات طابع إداري أو قانوني، بعدما كشف النقاش المحيط به عن حمولة سياسية تتصل مباشرة بملف الصحراء المغربية وبكيفية استحضار إسبانيا لإرثها الاستعماري في منطقة تجاوزت فيها عقارب الساعة مرحلة الإدارة الإسبانية منذ عقود.
فالخطوة، التي ما تزال في حاجة إلى استكمال مسارها داخل مجلس الشيوخ الإسباني، تطرح إشكالية تتجاوز مسألة منح الجنسية لأفراد، لتلامس سؤالاً أكثر حساسية: هل تعود مدريد إلى توظيف صفحات من تاريخها الاستعماري في الصحراء كأداة سياسية في الحاضر؟
بالنسبة إلى المغرب، تكمن خطورة المبادرة في كونها صادرة عن دولة كانت القوة الاستعمارية في الصحراء، ثم اختارت بعد ذلك مساراً سياسياً جديداً في علاقتها بالرباط، خصوصاً منذ إعلان الحكومة الإسبانية دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع.
ومن هذه الزاوية، فإن إعادة فتح ملفات قانونية تعود إلى المرحلة السابقة على انسحاب إسبانيا من الصحراء يمكن أن تُقرأ باعتبارها تراجعاً عن منطق القطيعة مع الإرث الاستعماري، أو على الأقل محاولة لإعادة توظيفه داخل المشهد السياسي الإسباني. وهو ما يجعل المبادرة محط اهتمام خاص في الرباط، ليس بسبب أثرها القانوني المباشر فقط، وإنما بسبب الرسالة السياسية التي قد تحملها.
واللافت في المشهد أن جبهة البوليساريو، التي بنت خطابها السياسي لعقود على فكرة التحرر من الاستعمار ورفض التبعية، تجد نفسها في موقع مؤيد لمسار يمنح امتيازات مرتبطة بجنسية الدولة التي كانت القوة الاستعمارية السابقة في الصحراء. وهذه المفارقة تضع الخطاب الانفصالي أمام تناقض يصعب تجاهله: فبدلاً من القطع مع الإرث الاستعماري، يجري تحويل إحدى أدواته القانونية إلى مطلب سياسي.
كما أن منح الجنسية لا يكتسي دائماً طبيعة تقنية محضة، إذ يمكن أن تتحول الجنسية، في بعض السياقات السياسية، إلى أداة لإنتاج روابط قانونية ورمزية جديدة بين الدولة ومجموعات سكانية توجد خارج حدودها. ومن هنا تحديداً تنبع المخاوف من أن تتحول المبادرة الإسبانية، مستقبلاً، إلى منصة سياسية لإعادة صياغة العلاقة مع سكان الصحراء على أساس تاريخي يعود إلى الحقبة الاستعمارية.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن واقع السياسة الداخلية الإسبانية، حيث ظل ملف الصحراء والهجرة والعلاقات مع المغرب حاضراً بدرجات متفاوتة في التجاذبات الحزبية والانتخابية. ولذلك فإن الرباط، التي ترفض بشكل واضح تحويل قضاياها السيادية إلى أوراق للمزايدة السياسية داخل إسبانيا، ستقرأ مثل هذه المبادرات في ضوء سياقها الكامل، وليس فقط وفق عنوانها القانوني.
المغرب لا ينظر إلى علاقته مع إسبانيا باعتبارها علاقة ظرفية، بل باعتبارها شراكة استراتيجية تقوم على مصالح متبادلة في مجالات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار والطاقة والتعاون الإقليمي. ولهذا فإن أي عودة إلى استخدام قضية الصحراء كأداة سياسية داخلية إسبانية من شأنها أن تضع هذه الشراكة أمام اختبار حقيقي.
فالرباط لا يمكن أن تقبل، من منظور مصالحها الوطنية، أن تتحول الذاكرة الاستعمارية إلى وسيلة لإعادة إنتاج نفوذ سياسي في منطقة تعتبرها جزءاً من ترابها الوطني. كما أن التطورات الدولية والإقليمية خلال السنوات الأخيرة أظهرت بوضوح أن مقاربة قضية الصحراء تتحرك في اتجاه دعم الحل السياسي الواقعي والقائم على مبادرة الحكم الذاتي المغربية، وليس باتجاه إعادة إحياء ترتيبات تعود إلى زمن الإدارة الاستعمارية.
ومن هنا، فإن الكرة أصبحت في ملعب المؤسسات الإسبانية. فمجلس الشيوخ، عند دراسة المبادرة، لن يكون أمام مسألة تقنية معزولة عن العلاقات الخارجية لبلاده، وإنما أمام خطوة يمكن أن تكون لها انعكاسات على شريك استراتيجي يمثل للمصالح الإسبانية بوابة أساسية نحو إفريقيا والمتوسط.
وإذا كانت مدريد حريصة فعلاً على الحفاظ على المسار الإيجابي الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، فإن التعامل مع ملف الصحراء يتطلب قدراً أكبر من الاتساق السياسي، وعدم السماح بتحويله إلى مادة للمزايدات الحزبية أو استدعاء إرث استعماري يفترض أن يكون جزءاً من الماضي.
أما إذا تحولت الجنسية الإسبانية إلى مدخل لإعادة إنتاج سردية سياسية حول الصحراء، فإن الأمر لن يبقى محصوراً في إطار قانوني ضيق، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر، خصوصاً أن المغرب بات أكثر صرامة في الدفاع عن وحدته الترابية، وأكثر وضوحاً في ربط علاقاته الخارجية بمواقف شركائه من قضية الصحراء المغربية.
الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى مدريد واضحة: الشراكة مع المغرب لا يمكن أن تسير بمنطق مزدوج؛ تعاون استراتيجي في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد، وفي المقابل ترك الباب مفتوحاً أمام مبادرات سياسية تعيد استحضار الإرث الاستعماري في الصحراء. فالمغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، وقواعد التعامل مع قضية وحدته الترابية أصبحت أكثر وضوحاً وحسماً.
ويبقى قرار مجلس الشيوخ الإسباني المرتقب محطة كاشفة لمدى قدرة مدريد على التوفيق بين حساباتها الداخلية ومسؤولياتها الخارجية. أما الرباط، فستواصل التعامل مع الملف من موقع ثابت عنوانه حماية الوحدة الترابية، ورفض أي محاولة لإعادة تدوير الماضي الاستعماري تحت عناوين قانونية أو سياسية جديدة.






