فن وثقافة

كتاب “بابلو إسكوبار والدي”… الدار تقدم النسخة العربية (الحلقة الأولى)

الدار/ خوان بابلو إسكوبار؛ ترجمة: حديفة الحجام

 

مرت أزيد من عشرين حجة طبعها الصمت وأنا وأعيد ترتيب حياتي في المنفى. وما دام أن لكل شيء وقته المناسب، فقد تطلب هذا الكتاب، على غرار مؤلفه، مرحلة من النضج والنقد الذاتي، والتواضع بطبيعة الحال، حتى أكون مستعدا للجلوس وتسطير جوانب من التاريخ ما زالت موضع تساؤل في نظر المجتمع الكولومبي.

كولمبيا هي الأخرى نضجت ما يكفي لتصخي بسمعها، ولهذا رأيت أن الوقت قد حان لأشارك القراء حياتي إلى جانب رجل كان في يوم ما أبي، شخص أحببته بدون قيد أو شرط، شخص حكم القدر عليّ أن أشاطره لحظات طبعت جزء من تاريخ كولومبيا.

من أول يوم فتحت فيه عيني على الدنيا وإلى أن مات والدي، كان بالنسبة إلى صديقا ومرشدا ومدرسا ومستشارا جيدا. أخبرته مرة حينما كان ما يزال على قيد الحياة أن يكتب قصته الحقيقية، فلم يوافق على طلبي وقال: "جورجي، يجب الانتهاء من صناعة التاريخ ليتسنى كتابته".

أقسمت على أن أثأر لموت أبي، لكني أخلفت الوعد الذي قطعت بعد مرور عشر دقائق فقط، لأن لكل منا الحق في تغيير توجهاته، وبدوي عشت منذ ما يربو عن عقدين غارقا في قواعد واضحة حول التسامح والعيش في سلام والحوار والعفو والعدالة والمصالحة.

هذا الكتاب هو كتاب عتاب، كتاب يطرح تأملات عميقه بخصوص طريقة تصميم وطننا وسياساتنا، ولماذا يظهر أشخاص على شاكلة أبي.

أنا أحترم الحياة، ومن هذه المساحة بالذات كتبت هذا الكتاب. كتبته انطلاقا من منظور مختلف ومتفرد وليست لي فيه أي أجندة سرية، على خلاف أغلب الكتب الرائجة حول شخصية أبي.

هذا لا يعني أن هذا الكتاب يحوي الحقيقة المطلقة، وإنما هي محاولة للبحث في حياتي أبي والتقرب منها. إنه بحث شخصي وحميمي. هو عبارة عن إعادة اكتشاف لرجل بكل فضائله وأيضا بكل عيوبه. وأغلب هذه القصص حكاها لي خلال الليالي الباردة والطويلة من السنة الأخيرة لحياته ونحن نجلس حول النار؛ وأخرى تركها لي مكتوبه حينما كان أعداؤه على مقربة من القضاء علينا جميعا.

وقد قادتني عملية التقرب من قصة أبي إلى أشخاص ظلوا مختفين لسنوات، وأبدوا الآن والآن فقط الاستعداد للمساهمة في هذا الكتاب، حتى تنجلي السحابة عن تفكري وتفكير دار النشر، وحتى لا يرث أحد أبدا، وهو المهم، هذا الضرب من الكره.

لم أكن دائم الرفقة لأبي وهو ما يعني أني لا أعرف كل قصصه، بينما هناك من يدعي أنه يعرفها في مجموعها. وحتى الذكريات التي تضمها دفتا هذا الكتاب اطلعت عليها بعد حصولها بسنوات طويلة. فأبي لم يستشرني في قراراته، ولم يستشر أحدا آخر؛ لقد كان رجلا يحكم على الأشياء بنفسه.

وأغلب "الحقائق" الخاصة بأبي معروفة بشكل مقتضب، إن لم نقل هي مجهولة بالكلية، وعليه فالتصدي لكتابة تاريخه فيه كثير من المخاطرة، لأن روايتها كانت تستدعي حسا من المسؤولية عظيم، ولأن أغلب ما قيل، لسوء الحظ، يدعي أنها الحقيقة الكاملة. وأنا على يقين أن الفلتر الحديدي الذي وضعته دار النشر والناشر ساهم كثيرا في إنجاح هذا المشروع.

إنها رحلة لسبر أغوار شخصية إنسان هو بالإضافة لكونه والدي فهو كان يقود تنظيما مافيوزيا لم تعرف الإنسانية مثله من قبل.

وأنا أعتذر بشكل علني على كل ضحايا والدي، من دون استثناء؛ ويؤلمني كثيرا أنهم عانوا من موجات من العنف العشوائي وغير المسبوق سقط فيها حتما الكثير من الأبرياء. وأقول إلى كل هذه الأرواح إني أبحث اليوم من أعماق قلبي عن تكريم ذكرى كل واحدة منها. سأسطر هذا بدموع لكن في نفس الوقت من دون أي حقد دفين. ومن دون أي نية في التشهير أو بدوافع انتقامية ولا بإطلاق اعتذارات الغرض منها إشهار العنف ولا حتى تمجيد العنف.

ربما سيتفاجأ الكاتب من محتوى الفصول الأولى للكتاب، لأني أقص فيها للمرة الأولى عن نزاع عميق عشناه مع أقاربنا من جهة أبي. ولقد قادتني عشرون سنة من الفراق على الخروج بفائدة فحواها أن الخاتمة النهائية التي أدت إلى موت أبي ساهم فيها عدد منهم بشكل مباشر.

ولست أتجنى في شيء إن قلت إن عائلة أبي طاردتها أكثر مما طاردت فيه أعداءها المتأصلين. وطالما انطوت أفعالي تجاههم على الحب والاحترام التام لقيم الأسرة التي لم تختف ولو في أعنف الحروب، كما أنها لم تتأثر بالمال حتى. يعلم الله وأبي أني كنت أحلم أكثر من أي شخص آخر لدرجة أني حاولت إقناع نفسي لو أن تلك المأساة العائلية كانت مجرد كابوس وليست حقيقة توجّب عليها مجابهتها.

أشكر لأبي صراحته القاسية التي كتب علي أن أستوعبها كما هي، وألا أعلل ذلك بأي وجه من الوجوه.

كان أبي رجلا مسؤولا فيما يخص قدره، من خلال أفعاله واختياراته في الحياة كأب وكفرد و–في نفس الوقت– كخارج عن القانون تسبب لكولومبيا وللعالم أجمع في جروح ما زالت لم تندمل بعد. وأحلم باليوم الذي تلتئم فيه وتتحول إلى شيء جيد، لئلا يتجرأ أحد على تكرار نفس القصة، وإنما يستخلص منها العبر فقط.

أنا لست ذلك الابن الذي ترعرع في حضن أبيه وهو مخلص له إخلاصا أعمى، لأني طالما ناقشته بشدة عن عنفه وعن طرق تعامله، وطالبته بكل الوسائل المتاحة أن يتخلى عن أحقاده وأن يضع سلاحه جانبا وأن يبحث عن حلول لمشاكله بعيدا عن العنف.

وفي خضم الآراء المتضاربة بخصوص حياة أبي نلتقي جميعا في شيء واحد هو حبه غير المشروط لتك، أسرته الوحيدة.

أتمنى بصفتي إنسانا لو يتذكرني الناس بأفعالي وليس بأفعال والدي. وأدعوا القارئ ألا ينساني وهو يقرأ قصصي، وألا أختلط عليه مع أبي، لأن هذه أيضا قصتي أنا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى