الرأي

نحن والواقع والآخر .. سؤال الرفض والقيمة

مصطفى غلمان

(بين الناس قتلة لم يسفكوا دماً قط، ولصوصاً لم يسرقوا شيئاً البتة، وكذبة لم يقولوا إلا الصحيح)- جبران خليل جبران-

العوامل الضاغطة للسلوكات اللاتربوبة، والخنق الاجتماعي وسوء التوجيه، هي كلها أسباب قد تقود أحيانا إلى التقصير والتحول تجاه الآخر .

وتبرز هذه الاعتبارية القيمية ضمن مساحة كبيرة من تشابك العلاقات واعتمالها في البدهية المجتمعية، انطلاقا من خصوصيات العيش المشترك، وانتقالا لمظاهر التسامح والترابط والاتصالية المفتوحة على كل واجهات المجتمع وتبدلاته.

وما يذكي صدقية هذه النظرية ويعزز وجودها في منظومة قيمنا المحلية، انتفاء ضوابط إشراك المبادىء الكبرى للثقافة والمشترك الثقافي بالوظيفة المواطناتية، وانعدام تأطيرها على مستويات التربية المجتمعية وعلاقات البينية المفتقرة أساسا لالتزامات التضامن والإيثار والأخلاق الحسنة .

وهو تعميم لا تخصيص هنا، حتى لا يسوء فهم مقصدنا.

فالطبيب لا يشعر أحيانا بما ينوء كاهل المريض. والقاضي لا يبلغ أحيانا درجة التقصي قبل إصدار الحكم، والمهندس لا يشمل قناعته بالتحقق والتدقيق قبل تصحيح الخلل. والمعلم لا ينصت عند اقتضاء الضرورة ..وهلم جرا، مجتمع لا اجتماعي فيه ولا رحمة.

ومن نافلة القول إنه إذا قيل عن الموظف العمومي، إنه يقيس عيشه اليومي بالمكابدة والجهد في إنهاء ساعات عمله خارج قيم الانضباط والسلوك المسؤول، فإن ثمة ما يبطن أسرار انكفائه على جزء مسكوت عنه من يوميات القتل البطيء لإنسيته، تجريده من حقوقه البسيطة، في التغيير لنمطية اشتغاله، تشعب نقائص الاندماج في العمل الجماعي. وأكثر من ذلك، أزمته الدائمة في قراءة الواقع .

لا أقول إن كل شيء في هذه الصور القلقة والمتوجسة تحتاج لمنظار آخر يخالف تحليلنا السطحي لواقع عمله، ولعلاقاته المفككة بالأشياء الظاهرية. من وجوده في مجتمع مغلق وغامض، بإيقاع مزمن ينظر للآخر على أنه عدو وتصادمي، إلى طريقة تفكيره في الآن والمستقبل، قبل أن يتصور العالم دون تاريخ.

نحن نصنع ظواهرنا الإنسانية الخاصة من هنا. من هذا الأنموذج العشوائي الذي يستحيل إلى أفكار مهددة. أفكارا بلا قيمة . دون اعتبار للتطور والسيطرة على المعالم الخلفية التي تستحوذ على كينونتها.

أي شيء يمكن أن نستعيد به علاقتنا بذواتنا، قبل أن يختفي رهق السؤال، الذي ظل يلازمنا دهرا دون أن نجد أجوبة شافية لتحويله إلى ورش لتفكيك تاريخ مليء بالمغالطات، محصور بتوجسات ومخاوف لا نهاية لها.

الميثولوجيا الكامنة خلف متاريس الواقع، هي قوانين طبيعية، تلهب حجر الزمن بفعل السيرورة . لا تجده أي قطيعة، ولا تتجادل فيه مفاهيم أو حقول أفكار.إنما هي جدار يرقب علوه بقائمة صروح عقلية وثقافية، مثلما يذهب برجسون في ملامسة ذلك عندما يقول ” أن سبيل العودة مجددا إلى الواقع في مستواه العيني المباشر، سيكون هو سبيل الميتافيزيقا” .

فلا حاجة إذن إلى إقامة قيود تشكل حاجز النظر إلى الآخر، على أنه خارج المعنى، مفارق عن وجود بعينه.

إنما يمكن التدليل بمطمحنا في أن يكون العالم أقل من واقع لا أخلاقي. أكثر من خيال لا يجنح بعيدا، ولكنه يطوق خلودنا بالهم والبحث عن بدائل لا محتملة، عن جوهر انفرادنا بالصفة التي نحملها، لكنها لا تتجسد في حقيقتنا!

زر الذهاب إلى الأعلى