المجلس الوزاري بين موسم فلاحي مطمئن وتنمية مجالية طموحة

بقلم ياسين المصلوحي
شكل المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس في التاسع من أبريل الجاري محطة سياسية ودستورية بارزة تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة ترتيب أولويات السياسات العمومية بالمغرب، في سياق يتسم بتحديات اقتصادية ومجالية متزايدة، ورهانات كبرى مرتبطة بتحقيق التنمية المتوازنة.
في مستهل أشغال المجلس، برز البعد الفلاحي كمدخل أساسي لفهم التحولات الجارية، حيث قدّم وزير الفلاحة معطيات إيجابية حول الموسم الفلاحي الحالي، مدعومة بتساقطات مطرية مهمة انعكست بشكل مباشر على وفرة الموارد المائية وتحسن الإنتاج الفلاحي. هذه المؤشرات لا تحمل فقط دلالات اقتصادية، بل تعكس أيضاً نوعاً من “الاستقرار البيئي المؤقت” بعد سنوات من الإجهاد المائي، ما يفتح المجال أمام إعادة بناء التوازنات في العالم القروي وتعزيز الأمن الغذائي. غير أن القراءة التحليلية تفرض الحذر، إذ تبقى هذه النتائج رهينة بعوامل مناخية متقلبة، مما يستدعي ترسيخ سياسات استباقية أكثر استدامة.
في مقابل ذلك، يحتل ورش التنمية الترابية المندمجة موقع القلب في هذا المجلس، باعتباره تجسيداً عملياً للتحول نحو نموذج تنموي قائم على العدالة المجالية. فالمقاربة الجديدة، التي تعتمد على الإنصات لحاجيات المواطنين على المستوى المحلي، تعكس انتقالاً من منطق التخطيط المركزي إلى منطق تشاركي يضع الفاعل المحلي في صلب العملية التنموية. هذا التحول ليس مجرد تعديل تقني، بل هو إعادة صياغة للعلاقة بين الدولة والمجال، حيث تصبح الجهة فضاءً لإنتاج السياسات العمومية وليس فقط لتنفيذها.
اللافت في هذا الورش هو حجم الاستثمار المرتقب، الذي يناهز 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات الذي يعتبر بمثابة الالية المالية لتنزيل هذا الورش، ما يعكس إرادة سياسية قوية لتقليص الفوارق المجالية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الموارد، بل في قدرة منظومة الحكامة المقترحة على تحقيق الالتقائية والنجاعة. فإحداث لجان متعددة المستويات، إلى جانب شركات جهوية لتنفيذ المشاريع، يطرح سؤال التنسيق وتفادي تداخل الاختصاصات، خاصة في ظل تجارب سابقة أظهرت محدودية الأداء المؤسساتي في بعض البرامج الترابية.
وفي هذا السياق، تكتسي المصادقة على مشروع تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات أهمية خاصة، فبالإضافة إلى اعتباره الأداة القانونية لمواكبة وتنفيذ هذا التصور الاستراتيجي فهو يؤشر على مرحلة جديدة في مسار الجهوية المتقدمة. فتعزيز الاختصاصات والموارد المالية للجهات، إلى جانب إدخال آليات تدبير مستوحاة من منطق المقاولة، يعكس توجهاً نحو جعل الجهة فاعلاً اقتصادياً حقيقياً، قادراً على استقطاب الاستثمار وخلق فرص الشغل. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التحول يظل رهيناً بمدى تأهيل النخب المحلية وتعزيز قدراتها التدبيرية.
من زاوية أخرى، يبرز اعتماد آليات للتتبع والتقييم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كعنصر محوري لضمان مصداقية هذه الإصلاحات. كما أن إحداث منصة رقمية لتتبع المشاريع يعكس وعياً متزايداً بأهمية الشفافية وإشراك المواطن في مراقبة السياسات العمومية، وهو توجه ينسجم مع التحولات الرقمية التي يشهدها العالم.
خلاصة القول، يعكس هذا المجلس الوزاري دينامية إصلاحية متعددة الأبعاد، تجمع بين رهانات الإقلاع الاقتصادي، وإعادة التوازن المجالي، وتحديث آليات الحكامة. غير أن الرهان الأكبر سيظل في القدرة على تحويل هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، بما يعزز ثقة المواطن في فعالية السياسات العمومية من خلال انخراط كل الفاعلين وخصوصا السياسيين ومسيري الشأن العام في هذه الإرادة التي تعكس إرادة الأمة المغربية .






