أخبار دولية

بروفايل طلحة جبريل: باراك أوباما تحت مساقط الضوء

بقلم: طلحة جبريل 

إختار باراك أوباما أن تكون عودتة للواجهة من جديد من إفريقيا، حيث ألقى في جوهانسبورغ خطاباً بليغاً وقوياً في ذكرى مرور مائة سنة على ميلاد الزعيم الاسطوري نيلسون مانديلا.

شن أوباما هجوماً غير مسبوق على الرئيس الأميركي دونالد ترامب دون أن ينطق أسمه ولو مرة واحدة .قال " تعافى العالم من آثار الأزمة الإقتصادية التي حدثت عام 2008 ، لكن مصداقية النظام العالمي تتلقى الضربات يومياً من واشنطن". وزاد "هناك من يعمل على تقويض المؤسسات والمعايير التي تجعل للديمقراطية معنى"

الإشارة واضحة .

أهمية ما قاله أوباما لها علاقة بالانتخابات لتجديد الكونغرس، حيث ستجرى انتخابات لأعضاء مجلس النواب ( 435 مقعداً) وانتخاب 35 من أعضاء مجلس الشيوخ الذي يبلغ عددهم مائة عضو.

يراهن الديمقراطيون على أوباما  قيادة الحملة الإنتخابية التي ستجري في الأسبوع الأول من نوفمبر المقبل، وإذ تحقق طموحهم بالحصول على الأغلبية في الكونغرس، سيصبح ترامب كما يقول التعبير الأميركي " بطة عرجاء " أي عاجز عن إتخاذ قرارات مهمة ، أكثر من ذلك ربما يبدأ العد التنازلي لواحد من أكثر الرؤساء الأميركيين في تاريخ الولايات المتحدة، إذ يمكن أن يعزله الكونغرس إذا حصل الديمقراطيون على أغلبية في مجلس الشيوخ.

هكذا يعود أوباما (57 سنة) بعد قرابة سنة ونصف إلى المسرح السياسي الأميركي بقوة ، ليكون ربما أول رئيس أميركي سيساهم فعلياً في هزيمة أو ربما حتى إسقاط رئيس أميركي آخر، حيث يعيش ترامب في مستنقع فضائح، يفتح الطريق أمام الكونغرس لإقالته إذا حصل الديمقراطيون على الأغلبية في نوفمبر.

ولد باراك أوباما في غشت عام 1961 في هونولولو في ولاية هاواي بعد سنتين من انضمامها للولايات المتحدة . شاء القدر أن يولد في ذلك التاريخ ، أي بعد أن أصبحت "هاواي" ولاية اميركية وإلا لكان قد فقد حقه في أن يصبح " أميركيا" .يتحدر باراك أوباما من  أب كيني يدعى "حسين أوباما" وهو مسلم هاجر من قريته كوقلو في غرب كينيا إلى أميركا بعد حصوله على منحة لدراسة الجامعة .

تعرف "حسين" على زميلته "آنا دونهام"  من ولاية كنساس وهي من أصول إنجليزية و تجري في عروقها دماء ألمانية و ايرلندية و سويسرية .

درس حسين أوباما مع آنا دونهام في قسم لدراسة اللغة الروسية في "جامعة هاواي"، وتزوجا في فبراير  عام 1961 وبعد ستة أشهر ولد أوباما، مما يفيد أن والدته حملت به قبل الزواج.

انتقل أوباما مع والدته إلى ولاية واشنطن، في غرب أميركا، حيث عاش في مدينة "سياتل" لمدة سنة.

انفصل حسين أوباما وآنا دانهام بعد ثلاث سنوات من زواجهما، حيث عاد الى كينيا عام 1964 ليتزوج للمرة الثالثة ، وزار إبنه "باراك" مرة واحدة وكان ذلك في عام 1971 ، ولقي حتفه عام 1982 وكان عمر "باراك" آنذاك 21 سنة.

تزوجت دونهام عام 1963 من "لولو سويتورو" وهو طالب إندونيسي كان يدرس في "جامعة هاواي" في شعبة الجغرافية، وانتقلت معه إلى اندونسيا، وهناك سيدرس باراك أوباما في مدرسة إسلامية لمدة أربع سنوات من سن السادسة إلى العاشرة . ثم عاد أوباما إلى ولاية هاواي ليعيش مع جده وجدته من أمه إلى أن أكمل دراسة الثانوية في عام 1975 ، وأمضت معه والدته فترة قصيرة قبل أن تعود إلى اندونسيا حيث بقت هناك مدة 20 سنة وعادت إلى هاواي عام 1995 ، و ماتت بعد صراع مرير مع مرض السرطان.

إنغمس  أوباما، بسبب حياة عائلية ممزقة، في تعاطي الكحول والمخدرات ( ماريخونا وكوكايين).

بعد سنة في كلية جامعية في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، انتقل إلى جامعة كولومبيا في نيويورك، لدراسة العلوم السياسية متخصصاً في العلاقات الدولية ، والأدب الإنجليزي. ثم التحق بجامعة هارفارد العريقة ، وتولى رئاسة تحرير " مجلة هارفارد للقانون" وكان أول أميركي أسود يتولى هذا المنصب.بعد تخرجه انتقل إلى شيكاغو ليعمل "مساعداً إجتماعياً" حيث تعرف على زوجته المحامية "ميشيل" ، وينطلق من هناك في مسيرة سياسية قادته إلى البيت الأبيض.

قبل ذلك كان خامس أسود يدخل مجلس الشيوخ، حيث انتخب عام 2004 لعضوية المجلس،  وعند انتخابه كان أوباما هو السناتور الأسود الوحيد بين المائة عضو في مجلس الشيوخ.

استبقت مجلة "تايم" الرصينة الأحداث في عام 2008  ونشرت تحقيقاً مطولا عن أوباما مع عنوان بارز يقول "الرئيس المقبل".تصدرت صورة أوباما غلاف المجلة التي حاولت الإجابة عن سؤال كان قد أصبح مثار حديث في أميركا يومئذٍ بشأن صعود نجم السيناتور باراك أوباما.

بعد "تايم" نشرت مجلة "ابوني"  في مطلع السنة نفسها صورة أنيقة للسيناتور باراك أوباما وزوجته المحامية ميشيل أوباما. بدا أوباما في الصورة مبتسماً ابتسامة غير متكلفة، في حين بدت زوجته حلوة المبسم .توقعت المجلة أن يكون أوباما أبرز المرشحين للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية. ووضعت عنواناً يقول  "الزوجان الاولان المقبلان في أميركا". وقالت المجلة وقتها " إذا قدر لهذا الرجل الفوز بالرئاسة، فإن تاريخاً جديداً سيبدأ ليس في أميركا بل في العالم".

وفعلاً تحققت تلك النبوءة ، وانعطفت أميركا انعطافة تاريخية من العيار فوق الثقيل، ليصبح غلاف مجلة "أبوني الذي نشر في  فبراير 2008 "غلافاً تاريخياً".

في تلك السنة أعلن باراك  أوباما ترشحه للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي ، حيث واجه هيلاري كلينتون التي انسحبت من السباق في يونيو عام 2008 بعد أن تأكدت من خسارتها.

خلال الحملة الإنتخابية  رفع أوباما شعار "نعم نحن قادرون" ( YES WE CAN ) وجذب به كثيرين .

وكان من أقوى خطابات حملته الإنتخابية ذلك الذي ألقاه  في فيلادلفيا (ولاية بنسلفانيا) ، والذي تعرض فيه لموضوع الانقسامات العرقية داخل المجتمع الأميركي، واعتبرته بعض شبكات التلفزيون وقتها ، أهم خطاب سياسي في تاريخ اميركا الحديث، وبثت الشبكات الرئيسية فقرات من ذلك الخطاب، وركزت على صور بعض الحاضرين الذين أجشهوا بالبكاء، وهم يستمعون لخطاب استغرق 37 دقيقة، كتبه أوباما بنفسه، و ارتجله بطريقة هزت مشاعر الكثيرين، خاصة عندما تحدث عن نفسه وقال : "أنا ابن رجل أسود من كينيا، و أمرأة  بيضاء من كنساس.. تزوجت من أميركية سوداء تجري في عروقها دماء العبودية، وايضاً أسياد العبيد، ونقلنا هذه الدماء الى بنتين عزيزتين.. لدي أخوة وأخوات وبنات عم، وأبناء عم واعمام واخوال وعمات من مختلف الأعراق، يعيشون في ثلاث قارات، وطيلة حياتي لن أنسى على الاطلاق أن قصتي لا يمكن ان تحدث في أي بلد آخر في العالم".

جاء أداء اوباما وطريقته في الالقاء مختلفة كلياً  عن أسلوبه المعتاد، وكان خطابه شجياً ومؤثراً، وكأنه يرسل رسالة مودة تضمد جراح الاميركيين السود، وتعمل على تهدئة مشاعر قلق كانت آخذة في التزايد لدى البيض المحافظين من رؤية رئيس أسود في البيت الأبيض.

قال أوباما يومها " لا يمكنني التنكر لمجتمع السود أو التنكر لجدتي البيضاء، التي تولت تربيتي، و ضحت من أجلي، لكنها أقرت في يوم من الايام، انها  تخشى الرجال السود الذين يمرون بالقرب منها في الشارع، و في أكثر من مناسبة ينطقون كلمات عرقية بطريقة نمطية، تجعلني أشعر بالخزي. هؤلاء الأشخاص يشكلون جزءا مني، ومن اميركا البلد الذي أحب".

وقال أوباما إن الغضب الذي يشعر به السود، يشعر به ايضاً البيض، ومضى يقول " معظم أفراد الطبقة الوسطى من البيض، لا يشعرون أن أصولهم العرقية تشكل لهم امتيازاً.. عندما يعلمون ان وظيفة ما او مقعداً في كلية، قد قدمت إلى افريقي اميركي مكافأة له، وتعويضه عن سنوات التمييز العنصري».

قال محلل في شبكة "سي.ان.ان" عن ذلك الخطاب  "قبل الخطاب كان هناك اختبار له، وبعد الخطاب أصبح هناك اختبار لنا، لقد تحدى أوباما بهذا الخطاب نفسه كما تحدى اميركا".

وقال متعاطفون مع اوباما، إنه وجه أعنف توبيخ للتاريخ الأميركي، الذي كان يساوي بين بعض البشر والدواب.

…ثم كان أن قطع أوباما شارع بنسلفانيا من جنوبه إلى شماله أي  من الكونغرس إلى البيت الأبيض.

أصبح يوم تنصيب أوباما أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة. عشية تسلمه منصبه وتنصيبه رسمياً الرئيس الرابع والاربعين للولايات المتحدة، وأول رئيس أميركي أسود. تحدث اوباما للمرة الاولى عن معنى انتخابه رئيسا للبلاد، وقال إن جلوسه في البيت الأبيض "سيغير الطريقة التي ينظر فيها الاطفال البيض للأطفال السود، والطريقة التي ينظر بها الاطفال السود الى أنفسهم".

في ذلك اليوم الشتوي، وفي ركن يقع بين شارعي "إف ستريت" و"شارع 13" على بعد امتار من شارع بنسلفانيا الذي يربط بين الكابيتول (مقر الكونغرس) والبيت الأبيض، وقف ثلاثة رجال سود يرتدون قبعات سوداء كبيرة وملابس شتوية ثقيلة ومعاطف يميل لونها نحو اللون الأصفر، وهم يرددون أغنية حزينة. كانوا يصفقون برفق ويتمايلون جهة اليمين واليسار في حين التفت حولهم مجموعة من النساء والرجال والاطفال من السود ايضاً، وهم يرددون معهم كلمات أغنية من الواضح انها من أهزوجة يرددها الافارقة الاميركيون في ولايات الجنوب تقول بعض كلماتها: "نعم نعم انه جاء من الحقل.. جاء من الحقل ومعه الغلة".

كانت ولايات الجنوب هي الأكثر قسوة تجاه السود خاصة الذين كانوا يعملون في مزارع القطن والكاكاو. في هذه الولايات ابتدع السود غناء شديد العذوبة، شديد المرارة، مليئاً بالغضب ومليئاً في الوقت نفسه بالحبور.

بعد ان توقف الرجال الثلاثة عن الغناء اقتربت منهم، الاول الذي يقود المجموعة يدعى جاسون ميل، وهو يقف في الوسط، والثاني جاك غيريس، والثالث يدعى ريك روش. جاء الثلاثة من ولاية جنوب كارولاينا لحضور الاحتفالات بتولي باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة.

جاؤوا بالحافلة الى العاصمة الاميركية ويقيمون مع صديق لهم في ريتشموند بولاية فرجينيا، وهم مثل كثيرين أمضوا ليلة بيضاء في  البرد القارس داخل بناية توجد بها محلات مأكولات في "إف ستريت".

قال جاسون (67 سنة): "شاركت مرتين في المسيرات التي قادها دكتور كنغ هنا (مارتن لوثر كنغ)، كان يقول إنه يحلم باليوم الذي يذهب فيه الأطفال السود مع الاطفال البيض الى المدرسة. كنا نحن في كولومبيا (عاصمة جنوب كارولاينا) نتمنى ان نجد وظيفة، ونركب في المقاعد الامامية للحافلات (لم يكن يسمح للسود بذلك) أما اليوم نحن هنا لنحتفل بتولي اوباما رئاسة الولايات المتحدة .. شيء عظيم اليس كذلك". وعندما قلت له ان أوباما إبن مهاجر، رد محتداً: «نحن جميعا من أفريقيا، اجدادنا جاؤوا من هناك".  وعن حلم كينغ اذا ما كان قد تحقق، قال: " واووو (كلمة استحسان اميركية) أنظر الى هؤلاء الناس (الحشود في شارع بنسلفانيا) ماذا تسمي هذا؟".

اما جاك الذي علق صورة صغيرة لأوباما على صدره وتحتها عبارة تقول "كنت هناك"، وهي إشارات يقتنيها السود الذين جاؤوا من ولايات اخرى بكثرة خلال هذين اليومين من باعة متجولين في شوارع واشنطن، فقال إنه جاء الى هنا ليروي لابنائه الذين لم يتمكنوا من الحضور كيف مرت الاحتفالات بتنصيب رئيس أسود، وقال : "لدي بنتان وولد، زوجتي رحلت قبل عامين، ابنائي لم يتمكنوا من الحضور واعطوني مصاريف الرحلة، سأعود لأروي لهم كل شيء".

كان ريك متأثراً جداً، قال جملة واحدة " نعم انا هنا". وانخرط في نوبة بكاء.

مئات الآلاف من السود كانوا يبكون ببكاء ممض ومحرق ، حتى قبل ان يمر موكب أوباما من الكونغرس باتجاه البيت الأبيض.

كان واضحا جداً أن أعداد السود في شارع بنسلفانيا، أكبر بكثير من البيض، لاعتبارين، لأن واشنطن نفسها تعتبر مدينة للسود، والاعتبار الثاني ان كثيرين جاؤوا من مختلف الولايات المتحدة لأن الحدث يتعلق بحلم كانوا يأملون فيه منذ قرون.

وسط الحشود ، التقيت فتاة سوداء بدت في غاية السعادة تزور واشنطن لأول مرة تدعى انتونيا وارنر (25 سنة). جاءت انتونيا من مدينة سلما في ولاية ألاباما، وهي المدينة التي عرفت ثلاث مسيرات تاريخية في الستينيات من أجل منح حق التصويت للسود.

جاءت انتونيا من سلما الى واشنطن مع والدتها في رحلة استغرقت 16 ساعة بالحافلة.

سألت انتونيا عن مشاعرها قالت: "لا أستطيع …لا أستطيع" وراحت تبكي.

بعد أن هدأت قليلاً، قالت انها اقترعت لصالح باراك أوباما وشاركت مع المتطوعين في الحملة الانتخابية في سلما. كانت امها هي ايضاً تبكي قالت لي إنها لم تشارك في اي انتخابات قبل 1972 (وثيقة الحقوق المدنية لم تنفذ فعلياً إلا في السبعينيات) ولم تكن تتوقع أن تشارك في تنصيب رئيس أسود صوتت لصالحه هي وابنتها وقالت: "شكراً للرب الذي منحنا الرئيس الرابع والأربعين".

حاولت ان اتحدث مع انتونيا لكنها اعتذرت وهي تقول:"آسفة آسفة …إنها لحظة عاطفية جداً".

قرب انتونيا وابنتها وقف رجل اسود يرتدي وزرة بيضاء ويحمل أناء ضخما يوزع منه قهوة سوداء على الحشود، وهو يصيح "قهوة مجانية من بي إي تي"، هي قناة تلفزيونية خاصة بالسود (قناة السود للترفيه).

كما كانت توزع شارات صغيرة على المراسلين كتب عليها "غطيت حفل التنصيب".

(I covered the inauguration).

كان السود يحتسون  القهوة ويبكون ويضحكون في الوقت نفسه.  كانت مشاعر تستعصي على كل وصف.

أن  تجد نفسك وسط بحر متلاطم من البشر، الأمر ليس مثيراً. أن يكون هذا البحر المتلاطم قد اندلق في مساحة لا تتعدى ثلاثة كيلومترات، المسألة ليست استثنائية.

أن يكون البحر المتلاطم مثل قوس قزح، يضم سودا وبيضا وصفرا يرتدون أزياء وقبعات بكل الألوان، هذه أيضا ليست جديدة في "بلاد الأحلام"، لكن أن تحمل هاتفا و حاسوبا محمولا وتعمل وسط هذه الأمواج، تلك كانت هي التجربة غير المسبوقة بالنسبة لي على الأقل. كان صراخ الناس يتحول أحيانا إلى موجات زعيق هستيرية، خصوصا عندما وقف باراك أوباما أمام القاضي ليؤدي القسم، ويردد الجمل القصيرة، بل ويتلعثم في أول جملة بسبب رهبة الموقف.

أن تجلس وسط هذه الحشود لتكتب أو تتحدث في الهاتف، يحتاج إلى الأمر إلى مهارة وشيء من اللاوعي وغير قليل من اللامبالاة بما يدور حولك، حتى تستطيع التركيز وأنت تكتب على الحاسوب.

معظم المراسلين الأجانب الذين توجد مكاتبهم في "مبنى الصحافة الوطني"  الذي يبعد بضعة أمتار عن شارع بنسلفانيا الرابط بين مباني الكابيتول والبيت الأبيض، أمضوا ليلة الاثنين – الثلاثاء في مكاتبهم.

ناموا هناك لأن جميع الطرق والجسور بين واشنطن وولاية فرجينيا، التي تعد مرقدا كبيرا لسكان العاصمة، أغلقت منذ ليلة الاثنين. قطارات الأنفاق كانت تعمل بدورها في اتجاه واحد.

في الفجر، والفجر هنا ليس مجازا بل هو الفجر دون خيوط بيضاء، بدأت الكتل البشرية تزحف نحو ساحة "ناشونال مول".

برد قارس يصك الأسنان.

كانت هناك ثلاثة أنواع من شارات الصحافة، الشارة الأولى تتيح لحامليها تغطية الحدث من نقطة الكابيتول، أي من داخل وخارج الكونغرس، وحاملو هذه البطاقة حصلوا عليها قبل أكثر من شهر، في حين سمح للمراسلين المعتمدين لدى الكونغرس بأن يكونوا ضمن هذه المجموعة. الشارة الثانية هي التي يتاح لأصحابها تغطية الاستعراض الذي جرى في الشارع الذي يفصل بين "حديقة لافاييت "والبيت الأبيض.

أما الشارة الثالثة فهي التي تسمح لحامليها بالتحرك في شارع بنسلفانيا، أي في المسافة الفاصلة بين الكابيتول والبيت الأبيض.

كنت ضمن جيش من "المراسلين المشاة" الذين يتجولون بين الحشود، ومعظمهم من الصحافيين العاملين مع الإذاعات والصحف.

مراسلو التلفزيونات، خصوصا الشبكات الرئيسية، كانت يعملون من نقاط ثابتة. شبكة "سي إن إن"  نصبت 102 من الكاميرات بين الكابيتول والبيت الأبيض، وفي أي نقطة مجموعة من الصحافيين، وفي بعض الأحيان ضيوف متحدثون،كما أقاموا استوديوهات وسط الحشود، واستعملوا تقنية متقدمة يمكنها أن تعزل صوت الجمهور وهتافاتهم عن أصوات المذيعين وضيوفهم.

حاولت جاهدا أن أفهم كيف تعمل تلك التقنية، حتى أكتب عنها، لكن لم أعرف تفاصيلها.

نصبت  شبكة "إيه بي سي" نحو 112 كاميرا في نقاط ثابتة. مراسلو الشبكات الأميركية كانوا كرماء مع "المراسلين المشاة"،  قدموا لنا وجبات خفيفة وقهوة ساخنة وسمحوا لمراسلي الإذاعات باستعمال الخيام التي نصبوها من أجل إرسال مراسلاتهم الصوتية، لتفادي زئير الناس في الخارج. كما وفروا لنا كراسي وطاولات صغيرة نضع عيها الحواسيب.

بعض الشبكات نصبت شاشات عملاقة لنقل وقائع حفل التنصيب في الكونغرس، وخطاب باراك أوباما. لم يكن صعبا على أي مراسل تسجيل هتافات الجمهور ورصد تعابير الوجوه. كان السود المنفعلين يبكون، وبعضهم في حالة ذهول، ومعظم الذين سألتهم كانت إجاباتهم متقاربة، يمكن تلخيصها: "هذا شيء لا يصدق". البيض كان فضولهم عارماً، الشباب المؤيد لأوباما كانوا يصيحون صيحات الإعجاب عندما يقترب منهم الصحافيون، اللاتينو (الهيسبانيك) كانوا في معظمهم صامتين، وهم عادة يميلون إلى الانزواء.

أما الهتافات التي ظل الناس يرددونها، فلا تخرج عن هتافين: الأول صياح هستيري بكلمة واحدة: "أوباما.. أوباما.. أوباما"، ثم جملة أوباما التي دخلت التاريخ: "نعم نحن قادرون"  (Yes we can).

كانت تغطية الحدث من شارع بنسلفانيا كانت سهلة، وصعبة، في الوقت نفسه. سهلة لأن قوات الأمن العلنية والسرية، وهم نحو 40 ألف رجل، كانت متساهلة جدا ، ما إن يدركون أنك صحافي حتى يسهلوا انتقالك من متر إلى آخر، نعم، من متر إلى آخر، وهي مسافة طويلة جدا في يوم كان له تاريخ يروي عبر الأجيال.

كانت التغطية صعبة أيضا لأن الناس كانوا في حالة انفعال شديد، يقولون كلاما يصعب نقله إلى الورق، كلاما أحيانا يتحول فقط إلى زعيق، قد يصلح للإذاعات، لأنها عبارة عن مشاعر متداخلة، يختلط فيها الفرح الغامر بالحزن الشديد.

فرح غامر لأن "حلم" مارثن لوثر كينغ قد تحقق، وبزيادة، إذ دخل البيت الأبيض رجل أسود.

وحزن شديد لأن الناس، خصوصا الذين تجاوزت أعمارهم الستين، عاشوا أياما صعبة في تاريخ أميركي معيب، كان مطعم صغير على سبيل المثال  يرفض تقديم وجبة لرجل لأنه أسود، كما قال أوباما وهو يتذكر "سنوات الجمر" التي عاشها والده حسين أوباما في أميركا.

تلك كانت قصة وبروفايل باراك أوباما العائد من جديد.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق