فن وثقافة

الحكاية الشعبية المغربية تراث إنساني عريق على شفير الاندثار

تعتبر الحكايات الشعبية، قصصا مروية نسجها الخيال الشعبي، وتداولها الناس جيلا بعد جيل مضيفين لها ومحو رين فيها. وهي من أكثر أنواع الأدب والفن الشعبي تناقلا من مجتمع إلى مجتمع آخر، ومن مجموعة لغوية إلى مجموعة لغوية أخرى. وقد اعتادت الأجيال على نقل هذه الحكايات للأبناء بواسطة الجد أو الجدة. والحكاية تسمع وتفهم ثم ت روى سواء أكان ذلك بإعادة صياغتها من جديد وروايتها فى بناء فني حديث، أو بتعديل بعض عناصرها أو إبدال بعض هذه العناصر بعناصر جديدة تتوافق مع فكر ووجدان المتلقي الحديث، أو بإضافة عناصر جديدة من واقع الحياة التي يعيشها الراوي والمتلقي.



ومن أشهر الحكايات الشعبية التي أمتعت الأجيال المتعاقبة من الأطفال المغاربة بمضمونها الثري والمتنوع، وبشخصياتها المتميزة، "عيشة قنديشة"، "بنت الدراز"، "مولات الخبزة"، "وحش الغابة" وغيرها كثير من الحكايات التي ظلت راسخة في ذاكرة مختلف الأجيال.



وبهذا الخصوص، قالت الأستاذة الجامعية والباحثة في الحكاية الشعبية، السيدة فاطمة الزهراء صالح، إن الحكايات الشعبية تعبر بالدرجة الأولى عن الذاكرة التاريخية للمغاربة، لكونها تشكل الانطباع الأول الذي يتكون عند الطفل في علاقته مع أمه أو جدته، مبرزة أن جل العلماء المختصين أجمعوا على أهميتها في تربية وتكوين شخصية الطفل.



وأضافت في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن وسائل التواصل الحديثة ساهمت بشكل كبير في بدء اندثار هذا الموروث الشعبي، الأمر الذي يحتم إنقاذ الحكاية الشعبية المغربية من التلاشي، مبرزة أن "الأمة التي لا تحافظ على تاريخها الحكائي وعلى إرثها الثقافي لا يمكن أن يكون لها حاضر ولا مستقبل". كما سجلت قلة البحوث العلمية والأكاديمية في هذا المجال.



ودعت الأستاذة فاطمة الزهراء صالح إلى ضرورة تدوين الحكاية الشعبية، باعتبارها تراثا شفاهيا يتلاشى يوما بعد يوم، بفعل عدة عوامل، منها الانفتاح على بعض الفنون الدخيلة على حساب التراث الأصلي، مبرزة الدور الأساسي للمؤسسات التعليمية في نقل هذه الحكايات للأجيال، وحثهم على التمسك بها وتداولها، وحتى التعلق بها. من هنا، تضيف المتحدثة، فإن الحكاية الشعبية تشكل متحفا للصور والرموز التي راجت في المجتمع المغربي وتراكمت منذ أجيال قديمة، وكونت الخيال الجماعي، مبرزة أن لكل واحدة منها، دروس أخلاقية وسلوكية مهمة، تحمل موضوعا معينا أو صراعا بين ميزتي الخير والشر، وعادة ما تكون نهايتها سعيدة، حيث تتغلب الشخصيات الرئيسية على الشر، وتعكس البيئة التي يعيشها الحاكي.



وعلى الرغم من أن العديد من أشكال الفنون الشعبية المغربية بدأت في الاندثار نتيجة عدم توثيقها، وحلول الفنون الحديثة والدخيلة على المجتمع محلها، وتناقص عدد الحكواتيين والمهتمين، وانحسار الفضاءات الحكائية والسردية، فإن ثمة مجهودا كبيرا يبذل لجمع ونشر الحكايات، سواء من خلال بثها على شكل أفلام سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية.



كما بدأت العديد من الجمعيات تنشط في مختلف جهات المملكة، من خلال تنظيم مهرجانات سنوية تتناول الحكاية والفنون الشعبية، كالمهرجان الدولي للحكاية والفنون الشعبية بزاكورة، والمهرجان الوطني للزجل ببنسليمان، ومهرجان فنون الشارع بفاس، وغيرها كثير من التظاهرات الثقافية التي تشرف عليها وزارة الثقافة والاتصال، مما يعطي الأمل في استمرارية هذا الإرث، وحمايته من التهديدات الناجمة عن العولمة، والتحولات الاجتماعية المتسارعة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى