فن وثقافة

حكايات يهود بني ملال.. حلقات يكتبها طلحة جبريل (الحلقة الثانية)

الرباط/ الصحافي والكاتب: طلحة جبريل

رواية أخرى عن موت مفجع  لليهوديتين "صولا"  و"ديبورا"..و "إيزة" تموت حسرة 

لم تكن روايتا إنتحار أو تسمم اليهوديتين صولا وديبورا هي المتداولة  في بني ملال ، بل كانت هناك رواية ثالثة أيضاً جرى تداوله على نطاق واسع.

تقول هذه الرواية إن صولا كانت مريضة  بالقلب، وبسبب ذلك ظلت تتردد على الأطباء في الدارالبيضاء، وفي إحدى المرات عادت صولا مرهقة من هناك، وتعرضت في المساءلأزمة قلبية أدت إلى وفاتها وبما أن ديبورا كانت من ذوي الاحتياجات الخاصة فإنها لم تستطع التصرف خاصة أن باب المنزل كان مغلقاً بعدة أقفال، ويرجح أنها تمددت إلى جانب صولا إلا أن ماتت جوعاً.

ومما أدى إلى الالتباس اعتقاد الجيران أن صولا توجد في الدارالبيضاء مع أقاربه تتلقى العلاج من مرضها.

تتسم  علاقات اليهود من الميسورين مع المعوزين منهم بالفتور، لذلك عندما توارت صولا وديبورا عن الأنظار ، لم يسأل عنهم أحد من طائفتهم .

كان صالون أليس يبعد عن منزلهما بحوالي 150 متراً، وعلى الرغم من ذلك فإنها لم تلاحظ تواريهما عن الأنظار.

تقول مصادر يعتد بها في بني ملال كانت لهم علاقة مع الطائفة اليهودية،  إن علاقات اليهود بعضهم بعضاً  كانت ذات طابع "مؤسساتي" و"إداري"، ما يؤكد ذلك أن اللجنة التي أوفدها مجلس الطائفة في الدار البيضاء إلى بني ملال وزارت منزلا صولا وديبورا بعد موتهما، لم تعلم باختفائهما إلا بعد أن لوحظ أن صولا لم تسحب الحوالة التي ترسل لها طوال ستة أشهر.

يقول محمد الحجام في هذا الصدد "لو كانت هناك علاقة اجتماعية في ما بينهم لعلم مجلس الطائفة باختفائهما".

يفسر جيران صولا وديبورا عدم انبعاث رائحة من جثتيهما، بسبب طبيعة البنية المعمارية للمنزل ، لأنه كان منزلا منغلقاً أقرب ما يكون إلى كهف مغلق، إلى حد أن رجال الوقاية المدنية استعانوا بآلات حديدية وكهربائية  لكسر باب المنزل، والوصول إلى الغرفة التي كانت بها الجثتان، واستغرقت هذه العملية ثلاث ساعات..

بعد رحيل صولا وديبورا وموت إيزة التي سبقها زوجها الليوي أزولاي ، بقى ثلاثة يهود فقط في بني ملال. 

لم تكن العلاقة بين إيزة وصولا، علاقة قرابة فقط  باعتبارها عمتها، لكن توطدت بينهما مودة . ظلت صولا تزور إيزة باستمرار. كانت حياتهما متداخلة ، يقضيان معظم وقتهما مع بعضهما بعضاً.

عاشت إيزة حياة موحشة كل أحزان عقب رحيل زوجها، تشعر بوحدة حقيقية ، خاصة بعد أن لم يعد لها أي شخص في كل بني ملال، سوى صولا المشغول بدورها مع ديبورا.

ربطت إيزة علاقة حميمية ومتينة مع والدة محمد حجام ، و كانت جارتها، إلى حد أنها ظلت تبكي بعد وفاة والدة الحجام  طوال أسبوع كامل بكاءً ممض وبحرقة حزناً وحسرة على صديقتها.

لم تقو إيزة على  تحمل حياة الوحدة بعد رحيل زوجها الليوي أزولاي ، وفرضت على نفسها عزلة اختيارية حيث انقطعت عن الناس بما في ذلك أقاربها الذين كانوا يعيشون في حي"بلاس فيردان" بالدار البيضاء.

وبعد أن اشتدت عليها الوطأة ، قررت أن تضع حداً لحياة العزلة الموحشة والعزلة الكئيبة.

ذات يوم من الأيام لاحظ الجيران أنها لم تخرج من منزلها. أبلغ الجيران الحجام بالواقع، فبادر إلى تسلق حائط المنزل المجاور، ولاحظ أنها أغلقت باب منزلها بإحكام ووضعت عليه عموداً خشبياً، عندما أبلغ الحجام الجيران بما شاهد،  قرروا دخول المنزل ليفاجئوا بها ملقاة فوق سرير وهي في حالة احتضار.

أخرج الجيران إيزة من منزلها ، واستقر رأيهم أن يسافر بعضهم معها إلى الدار البيضاء وكانت وجهتهم حي "بلاس فيردان"حيث يوجد أقارب إيزة، و رافقتهم أيضاً معهم صولا التي تعرف عنوان منزل أولئك الأقارب. 

داخل السيارة وقبل الوصول إلى حيث يوجد أقاربها لفظت "إيزة" أنفاسها الأخيرة ، في تلك اللحظة كان الحجام قد وضع رأسها فوق ركبتيه، بيد أنه لم يشأ أن يخبر أقاربها بموتها، وذلك تفادياً إلى طريقتهم في البكاء والعويل، إذ عندما يموت أحدهم  كانوا يندبون ويصرخون  ويتحول الصراخ إلى حالة أقرب ما تكون إلى الهستيريا.

عندما وصلت السيارة إلى منزل أقاربها حمل الجثة من كانوا بها إلى الشقة في الطابق الثاني ، واستغرق ذلك وقتاً طويلاً ، نظراً لبدانتها.

أنحى أقارب إيزة باللوم على صولا ، وعبروا لها عن غضبهم لأنها أصرت على البقاء في بني ملال ، بل طال اللوم جميع اليهود الذين لم يغادروا المدينة، على أساس أن ليس بها خدمات طبية أو مستشفيات ، ويواجه المرضى الكثير من المشاكل بسبب تدني الخدمات على حد اعتقادهم.

بيد أن صولا كانت تعتقد إن اللوم يقع على هؤلاء الأقارب الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء زيارة إيزة بعد رحيل زوجها الليوي أزولاي، بل وصل اللوم حد أنهم كانوا يرددون عبارة غاضبة في وجه صولا  تقول " يعبيك للمعارة" أي نتمنى لك المقابر.

يتذكر الحجام بعد ذلك واقعة مرتبطة بموت إيزة فيقول " بعد موتها بثلاثة أيام جاء يعقوب وهو أخر حزان في بني ملال وطرق باب منزلنا وطلب أن يلتقي بي،  وفعلا  خرجت إليه ، فسلمني  مبلغ 200 درهم مكافأة لي على مرافقتي إيزة إلى الدار البيضاء ، ومن شدة غضبي لتصرفه ، وجهت له ضربة  حتى أغمي عليه  وجاء يهودي يدعى " هودا " وكان تاجرا في زنقة "الهرية"  لكنه  هاجر بعد ذلك ، واستفسر  عن السبب الذي جعلني أضرب الحزان.

شرحت له ما حدث، وقلت له إنني شعرت بالإهانة لأنه أراد أن يسدد قيمة مرافقتي إيزة إلى الدار البيضاء علما بأنها صديقة والدتي. 

بعد أن سمع روايتي وجه اللوم إلى الحزان يعقوب ، واعتبر أن تصرفه لم يكن لائقاً، وأقنعه بعدم تقديم شكوى ضدي ، إذا كنت سأواجه مشكلة حقيقية مع السلطات".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى