المواطن

بصمات فضالية.. الحلقة الـ20 مع حليمة البحراوي أول فارسة بالمغرب

الدار/ بوشعيب حمراوي

لكل مدينة وقرية رائدات ورواد، بصموا بمعادن نفيسة في سجلات تاريخها الحضاري. ساهم كل من زاويته وتخصصه في نهضتها وتطورها في كل المجالات.. 

مدينة الفضاليين.. ومشتل قبائل المجدبة وزناتة والشاوية… واحدة من تلك المدن التي تحتفظ بأرشيف ثقيل ووازن يستحق الذكر والتذكير والإشادة..  مدينة حظيت باسم ملكي (المحمدية)، نسبة إلى الملك الراحل محمد الخامس.. واستحقت في فترات من صيرورتها أن تلقب بمدينة الزهور والرياضات الأنيقة. بفضل نساءها ورجالها المبدعين، المكافحين.  

نسعى من وراء سلسلة (بصمات فضالية)، أن نسلط الضوء على هؤلاء وأولئك الذين واظبوا على إشعاع نور الأمل والتحدي والمثابرة بالمدينة. شخصيات محلية تألقت في مجالات متعددة محليا ووطنيا ودوليا.

نجوم فضالية برزت في كل مناحي الحياة.. كانت القدوة والقائد والنموذج التنموي المفروض أن يحتذي به الأطفال

والشباب… وسيكون لمآثر ومعالم ورموز المحمدية نصيب من هذه السلسلة.. حيث الحديث عن قصص مثابرة وتحدي وكفاح ونجاح وتميز وصمود … تشهد بها المدينة وسكانها وكل الوطن..

أسست جمعية ونادي للتكوين وأحدثت بطولة الفروسية النسوية بالمغرب

بصمت الفارسة الفضالية حليمة البحراوي على نهاية احتكار الرجال لرياضة وفنون التبوريدا (الفروسية). رفعت منذ طفولتها تحدي ركوب ومداعبة الأحصنة رغم معارضة الأقارب والمحيط الذكوري. وتمكنت من إقناع والديها ونيل ثقتهما. بل كانت وراء ولوج والدها عالم الفروسية من بابه الواسع. بعدما كان مجرد متفرج عاشق للفرجة والأحصنة، أحترف الفروسية، وأصبح (مقدم) سربة بفريق من الفرسان المحترفين. واستحقت حليمة  مكان وصيفة والدها. كانت تتوسط كل الفرسان الذكور. وتحاكيهم في أداءهم.  ولع حليمة بالتبوريدا، جعلها تبتعد عن التعليم، وتحترف الفروسية.  

بدأت رحلة التألق والاستثناء خارج حضن الوالد، بتشكيل فرقة (سربة) من الفتيات الفارسات. ونالت شرف حمل مشعل أول (مقدمة) في تاريخ المغرب، أمام ذهول واستغراب البعض، وأنانية وانتقاد البعض الآخر ممن اعتقدوا استحالة خوض المرأة مجالا لا بصمة فيه إلا للجنس الخشن. لتتحول التبوريدا النسائية من مجرد تحدي طفلة بريئة. إلى رياضة بالتاء التأنيث. بات لها مكانة خاصة بحلبات دار السلام، وأكبر مهرجانات ومعارض الفروسية الوطنية والعالمية. 

معاناة طفلة حالمة

قد يكون حلم راود الطفلة حليمة، أو هوس سكن خوالجها وبات يطاردها في سنواتها الأولى. كانت لا تفارق والدها العاشق لمهرجانات التبوريدا. والذي اشتد به عشق الفروسية إلى درجة أنه اشترى حصانا أصيلا، يستمتع مشاهدته داخل ضيعته بالبادية، أو راكدا ضمن (سربة)، قائدها (المقدم) صديق له. كانت تصر وهي في سن ال13، على ركوب حصان والدها والتقاط صور لها وهي تداعبه. لكن رغبتها لم تكن محط قبول من طرف ناس التبوريدا. الذين كانوا يرفضون ركوب الإناث على الأحصنة. حكت حليمة، أنها رافقت والدها سنة 1999 من أجل حضور مهرجان التبوريدا، نظم بمناسبة ذكرى عيد العرش. طلبت يوما من فارس حصان والدها أن تمتطي الحصان، وأن هذا الأخير استجاب لها. لكنها فوجئت بأشخاص آخرين يأمرونها بالنزول من فوق الحصان، والذهاب إلى حيث النساء مجتمعات يتابعن المهرجان. قال لها أحدهم: ماخاصكش تركبي حشومة سيري بقاي مع العيالات. 

فعادت إلى منزلها تبكي بما تعرضت إليه من مهانة وقسوة. واستمر هوس امتطاء الأحصنة يعذبها. إضافة إلى عدم تقبلها قرار الإبعاد، المبني على أسباب اعتبرتها واهية.. ألا يحق للمرأة أن تمتطي الحصان، وتجاري الرجل في كل ما يقوم به من طقوس التبوريدا؟ .. سؤال أصابها بالأرق والمهانة.         

بداية الانفراج بولوج والد حليمة عالم التبوريدا

بدأت بوادر الانفراج، وقرب تحقيق حلم حليمة في ترسيخ أحقية النساء بفن التبوريدا. عندما تحول عشق وولع الوالد بالأحصنة، وتتبع مهرجانات التبوريدا، إلى إدمان لم تخمد نيرانه، إلا بعد أن اشترى الوالد حصان. وبات يرعاه داخل ضيعته بالبادية. 

بعدها بأشهر قليلة، كان لزاما على الوالد أن ينتقل إلى مرحلة امتطاء الحصان ومداعبته. ومن تم احتراف فن التبوريدا. وتشكيل فريق (سربة)، عين فيه بأمر ودعوات من (الرمى)، ليكون قائد الفريق (المقدم). 

لم ينس هوس ابنته حليمة. فقرر تحقيق حلمها. بتعليمها ركوب الحصان، وطقوس التبوريدا. ليجعلها تلج غمار المشاركة كعضو بالفريق (السربة).                                     

قالت حليمة: نظم والدي وليمة (زردة) للرمى والخيالة والشيوخ. من أجل مباركة ركوبي الحصان. لأن العادة تقتضي أن يتلقى كل من يريد ولوج فن التبوريدا، بركة وتزكية ناس القبيلة وأشرافها. 

اختار لها مكان الوصيفة. علما أن عملية ترتيب الفرسان تعتمد الكفاءة والاحترافية. وبناء عليها يستلق الفارس المراتب إلى أن يصل إلى قرب (المقدم)، أو ان يصبح رئيسا (مقدم).

كان الوالد وابنته يتوسطا الفريق المشكل من أزيد من عشرين فارسا محترفا.  ولو أنها لم تكن محط ترحاب من رواد عالم الرمى والتبوريدا. باعتبار أنها خرقت العادات والتقاليد. ونقلت المرأة من أمكنتها التقليدية، إلى حيث يستعرض الذكور عضلاتهم وكفاءاتهم. وظلت عضوا بارزا داخل سربة والدها لمدة ثلاث سنوات.

تشكيل أول سربة نسائية مغربية وعربية  

لم يتوقف حماس وتحدي حليمة عند مجاورة الفرسان الذكور. ومنافستهم في رياضة ضلت لقرون ذكورية. بل إنها انتقلت إلى مرحلة التأسيس لمشتل للفارسات. وكانت البداية بإحداث سربة نسائية، شكلت من سبعة فارسات. وعينت رئيسة (مقدمة) السربة بتزكية من شيوخ وفرسان القبيلة ورواد فن التبوريدا. استغلت ضيعة والدها كفضاء للتدريب والتكوين. وشكلت فريقا مكونا من زميلات لها في الدراسة، و معجبات وبنات فرسان أصدقاء والدها. انطلقت السربة، في مسار تحدي للرجال. وبصمت حضورها بعدة مهرجانات ومعارض وطنية ودولية.  
 
إحداث بطولة وطنية للتبوريدا النسائية

 انتشر صيت السربة النسائية، وتحولت إلى ما يشبه  (الملح)، التي تزيد من حلاوة مهرجانات التبوريدا. حيث الكل ينتظر بلهف مشاهدة هذه الفرقة النسوية التي كسرت جدار الصمت النسوي، وألغت جزءا من تقاليد وعادات الرمى. سربة تألقت في ألبستها الموحدة وأحصنتها الأصيلة وبنادقها المزركشة المتشابهة. وعطاءها المتميز. لتفاجأ ذات يوممن سنة 2003، بوفد من عمالة المحمدية، يطرق باب منزل والدها. ويخبرها أنها مدعوة لزيارة الأميرة الراحلة لالة أمينة، التي استضافتها بمنزلها رفقة باقي الفارسات الستة. وأكدت لها إعجابها بقدراتها. وقررت أن تشارك فريق حليمة النسوي، في افتتاح البطولة الوطنية للفروسية بدار السلام الرباط.

                                                     

ودعتها إلى العمل على توسيع المبادرة. وإحداث سربات نسوية بالمغرب، من أجل إحداث بطولة وطنية لفن التبوريدا النسوية. لتدخل رياضة الفروسية النسوية مجال المنافسة سنة 2005. واستمرت حليمة  في التربع على عرش فن التبوريدا، وتحصد الجوائز والميداليات الذهبية بمسالك دار السلام. 

تأسيس جمعية ونادي لتكوين الفارسات

 لم تكتف حليمة البحراوي من إحداث أول سربة نسوية، بل إنها بادرت إلى تأسيس او جمعية نسوية للفروسية. وناد نسوي، مهمته تكوين الفارسات، فتيات في مقتبل أعمارهن، استقبلهن النادي، ومكنهن من أبجديات وطقوس فن التبوريدا. وقوانين المنافسة.  

ضحت بالتعليم من أجل التبوريدا
 
قالت حليمة إنها تخلت عن متابعة دراستها، واختارت تنظيم حصص تدريبية يومية، من أجل صقل مواهبها في فن ورياضة التبوريدا. كانت حينها تتابع دراستها بمستوى الثالثة إعدادي. حين ارتمت في حضن أمها. تطلب منها دعم فكرتها بمغادرة الإعدادية. لكن أم حليمة كانت مصرة على تعليم ابنتها. وهو ما أشعل فتيل صراعات أسرية، انتهت بأن كان لحليمة ما أرادت. لتوقع على مستقبل رهين بهوايتها..


   
شاركت في استعراضات إلى جانب المرحوم موحا زيان
 
تمكنت السربة النسوية لحليمة البحراوي من التموقع داخل التراث المغربي المعاصر. وبدأت تشارك في معارض كبرى، تبرز الوجه الثقافي والتراثي للمغرب، إلى جانب الراحل موحا والحسين أشيبان أحد أشهر مؤدي الرقصة الاستعراضية الأمازيغية (أحيدوس)، والذي لقبه الرئيس الأمريكي رونالد ويلسون ريجان بلقب (المايسترو).

فرنسية تقرأ الفاتحة لتخوض غمار تجربة التبوريدا

تذكر حليمة أنها في أحد الأيام فوجئت بمواطنة فرنسية تقتحم خيمتها، لتطلب منها أن تعلمها ركوب الحصان والتبوريدا. وأنها سترحل إلى بلديها بعد يومين فقط. كان إصرار من الفرنسية وبعض أقارب والدها. وبحضور أقارب الفرنسية. فاستجابت لها. وأخذت حصانها الأصيل الذي تعرف كل عاداته. وعلمتها بعض أبجديات الركوب والتبوريدا. وجعلتها ترافقها ضمن السربة. كفارسة باللباس التقليدي والبندقية. وسط فرح  وزغاريد للجمهور وإعجاب الأجانب.

لكن ما ظل عالقا في ذهن حليمة. أن ورع الفرنسية بالتبوريدا جعلها تقبل بطقوس وعادات المغاربة. من ضمنها عادة تلقي البركة والتزكية قبل ركوب الحصان. حيث لبست لباس الفارسة. وغطت رأسها بـ(فولار)، وقرأت مع الخيالة والشيوخ الفاتحة. وضلت تردد (آمين)، لدعواتهم الصحة والسلامة للخيالة ولها.    

تتويج عالمي لبرنامج وثائقي للفروسية النسوية

توج بالديار الإيطالية قبل سنوات برنامج وثائقي عن حياة حليمة البحراوي والفروسية النسوية بالمغرب.  وهو شريط سبق وأنجزته قناة الرياضية تحت إشراف الضحفي حسن بوطبسيل.تقول حليمة: ما أثر في لجنة التحكيم الدولية هو معاناتي في طفولتي مع أسرة ومحيط رافضة لحلمي في ولوج عالم التبوريدا. وكيف أن والدي كانا يتلقيان الانتقاد اللاذع عندما سمحا لي بذلك. كما تلقيا مكالمات هاتفية تهديدية وأخرى عبارة عن سب وشتم و (الهضرة الخايبة). لكنني صمدت وكافحت.  وكيف أن أمي كانت مصابة حينها بكسر، ورغم ذلك كانت تشرف على كل حاجيات الفارسات من أكل وشرب ونوم وملبس..   

قالت إن الشريط فاز بجائزة أحسن فيلم وثائقي  في أوربا والعالم العربي، وأن المسابقة عرفت مشاركة  16 دولة عربية وأوربية.
   
حصان فوق العادة

تحكي حليمة عن حادث سقوط فارس كان رفقة سربة والدها التي كانت تشارك فيها. وكيف أن حصانها الأصيل، أنقذ حياتها وحياة الفارس الذي ارتمى أمامها. 

قال حليمة إنها فوجئت بحصان الفارس القريب منها، يتعثر، وأن الفارس سقط مع حصانه، أمام حصانها الذي كان يركض بسرعة. وكيف إنها ارتكبت ولم تعرف ما تقوم به حينها،  فأغمضت عينيها من شدة الهلع. وهي تنتظر صنع القدر. إلا أنها بعد أن فتحت عينيها والتفت خلفها، رأت الفارس ينهض من الأرض بسلام وينفض الغبار. وأدركت أن حصانها (قام باللازم). قفز فوق الحصان الساقط وفارسه. وتفادى أصابتهما بأي مكروه. كما تفادى إصابته فارسته. كما سمعت الجماهير الغفيرة تصفق وتهلل لما قام به حصانها.  

حصان يحزن ويصوم لمدة ثلاث أيام 

خيم الحزن الشديد على حصان الفارسة حليمة لمدة ثلاثة أيام، بعد أن تعثرت  إحدى قوائمه. وهوت في حفرة لم تكن مكشوفة. كان ذلك خلال مشاركة حليمة في مهرجان التبوريدا سنة 2007. قالت حليمة إن الحصان فوجئ بحفرة ممتلئة بالرمال وسط (المحرك). ولم يتمكن من تفاديها. فسقط الحصان، وسقطت خلفه. في حادث مهول، جعل الجمهور يدخل إلى (المحرك). أصيبت بجرح غائر على مستوى جبينها، تطلب عملية جراحية لتقطيب الجرح بست قطب (غرزات). وأضافت أن الحصان لم يستسغ فكرة إسقاطي. فحزن لمدة ثلاثة أيام. ورفض الأكل والشرب. وهو حصان كان يدعى (المشعر) ينحدر من منطقة أولاد حدو بضواحي الدار البيضاء. 

حزن البحراوي الدائم

دخلت حليمة البحراوي في عالم التعاسة والحزن، بعد أن نفق أمام عينيها حصانين كانا بمثابة شقيقين لها. في ظرف أسبوع واحد.تحكي عن حصانها الأول (يادين)، التي جلبه والدها من دوار أيت يادين بإقليم الخميسات.  قالت : اشتريناه من قبيلة كانت ترفض بيعه،  وعندما خرج الحصان في رحلة وداع، حزن سكان الدوار. وزادهم حزنا وفاة فتاة في نفس الأسبوع. إنه الحصان الذي قفز فوق الحصان والفارس، وحمل الفارسة إلى حيث السلامة.

كما نفق حصانها الثاني الأصيل والسريع المسمى (الكاردة). حصلت بواسطته على عدة ميداليات ذهبية. اشترته من أسرة بضواحي مدينة ابن سليمان الذهبية. قالت إنه سرعته الفائقة تجعلك لا تسمع كلام من  هم حولك. وقد سمي بـ(الكاردة) بسبب سرعته الفائقة. و(الكاردة) هي أحد أجزاء محرك السيارة، والتي تزيده قوة وسرعة. 

نفق الحصانين بالتزامن مع تصوير الشريط الوثائقي الخاص بالفروسية النسوية. فقدت حليمة شهية الابتسامة والنوم والتغذية.. قالت بحسرة وألم: تأتيك فترات تحس أن حصانك أعز من والديك وأشقائك.. ولا يمكن تقبل رحيله..  فكيف تعمل إن فقدت حصانين في أسبوع واحد؟..

فقدان حليمة للحصانين، جعلها تغيب عن عالم الفروسية. وترفض حتى الذهاب إلى البادية، أو حتى رؤية التبوريدا على التلفزيون.

 حليمة تفتخر بانتماءها لمدينة المحمدية 

قالت حليمة البحراوي إنها تفتخر بكونها ابنة فضالية، ترعرعت وسط أحياء مدينة الزهور وباديتها. كما تفتخر بالطاقات والكفاءات والنجوم الفضاليين، الذي صنعوا أمجاد المدينة والوطن. وبصموا في مجالات متعددة. كما تفتخر وتتشرف بأنها تلقت التهاني والتبريكات والميداليات الذهبية من الملك الراحل الحسن الثاني والأميرة لالة أمينة.    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى