الصحراء المغربية صمام أمان الأطلسي وشمال إفريقيا في مواجهة إعصار الشرق الأوسط والتحولات الجيوسياسية الكبرى.

إنتقلت قضية الصحراء المغربية في المشهد الجيوسياسي المعاصر من سياق النزاع الإقليمي التقليدي إلى قلب معادلة الاستقرار الكبرى في منطقتي شمال إفريقيا والساحل، حيث برز القرار الأممي الأخير رقم 2797 ليؤكد ذلك التحول النوعي في العقيدة الدبلوماسية الدولية، وينتقل من مجرد إدارة النزاع إلى البحث الجاد عن حل سياسي واقعي وعملي. إن هذا القرار الأممي لا يشكل مجرد وثيقة دورية، بل هو صك إعتراف ضمني بتفوق المقاربة المغربية، وتعزيز للزخم الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية لطي هذا الملف بصفة نهائية، حيث تتجلى عبقرية المبادرة المغربية في تقديم الحكم الذاتي كأسمى تجليات تقرير المصير الداخلي، الذي يتيح للساكنة تدبير شؤونها في إطار السيادة الكاملة للمغرب، مما يجعل من السيادة والجهوية المتقدمة وجهين لعملة واحدة هي الازدهار والأمن العابر للحدود.
غير أنه وفي ظل التداخل الراهن بين الملفات الدولية، لا يمكن عزل هذا المسار التفاوضي عن غيوم التصعيد الملبدة في سماء الشرق الأوسط، إذ إن المواجهة المتصاعدة بين المحور الأمريكي الإسرائيلي والتحركات الإيرانية تفرض على القوى الكبرى إعادة ترتيب أولوياتها، خاصة مع انخراط أطراف إقليمية في دعم قوى مزعزعة للإستقرار في المنطقة المغاربية. هذا المتغير جعل من حسم ملف الصحراء المغربية ضرورة إستراتيجية لتحصين الجبهة الغربية للعالم العربي من التمدد والارتهان لأجندات خارجية، وهو ما جعل الرؤية الأمريكية الأكثر حزما في الدفع نحو إنهاء النزاع، إدراكا منها بأن المغرب يمثل الشريك الأكثر موثوقية في معادلة الأمن القومي الدولي. ورغم أن المواجهات المشتعلة في المشرق قد تؤدي إلى “تباطؤ تكتيكي” في الدينامية الدبلوماسية نتيجة إنشغال واشنطن بملفات الخليج والشام، هذا الإنشغال الذي سيؤجل عن الملف بشكل مؤقت .
إن قوة الموقف المغربي تكمن في قدرته على تكريس واقعية مقترحه وسط هذه الرمال المتحركة، مدعوم بشرعية قانونية وميدانية تجعل من التراجع عن مكتسبات “الهندسة الكبرى” لتنزيل الحكم الذاتي و التي بدأت منذ عام 2020 أمر مستبعد بالنظر لتكلفته الإستراتيجية العالية. إن التحليل الدقيق يفضي إلى أننا بصدد مرحلة “الحصاد الدبلوماسي”، حيث ينجح المغرب في تحصين جبهته الأطلسية وتجاوز العواصف الإقليمية، بانتظار عودة التوازن لميزان الأولويات الدولية.
ختاما، يتجاوز مقترح الحكم الذاتي كونه مجرد حل سياسي لنزاع إقليمي مفتعل، ليرتقي إلى مرتبة ‘الضرورة الإستراتيجية’ التي تفرضها التحولات العالمية المتسارعة. إن إستكمال الطي النهائي لهذا الملف في ظل السيادة المغربية، يمثل حجر الزاوية في بناء محور أطلسي إفريقي صلب، قادر على إمتصاص الصدمات الجيوسياسية القادمة من الشرق، وقطع الطريق أمام محاولات اختراق المنطقة المغاربية بأجندات عابرة للحدود. ومستقبلا فإن تكريس واقعية الموقف المغربي على المستويين الميداني والدبلوماسي سيحول الصحراء إلى محرك إقتصادي وقنطرة وصل بين القارات، مما يجعل من إستقرار المغرب الضمانة الأسمى لمنع حدوث ‘فراغ أمني’ في شمال إفريقيا. إننا أمام مشهد دولي جديد، لن يجد فيه العالم بدا من الاعتراف بأن كرامة الإنسان وتنمية المكان في الصحراء المغربية هما المخرج الوحيد لتعزيز السلم والأمن الدوليين.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي






