لقد إستوعبنا الدرس جيدا، وأدركنا أن بين الولاء والخيانة خيط رفيع لا يقاس بالشعارات ولا ينكشف في لحظات الإنفعال القوية، بل يتجلى في السلوك المنضبط والمسؤول، وفي القدرة على ثبات المواقف عند الإختلاف، وفي إحترام القيم حين تشتد لحظات الإختبار. فالولاء الحقيقي لا يعني التعصب الأعمى، كما أن النقد أو الخلاف لا يختزل في تهمة الخيانة والعمالة، لأن الإنتماء الناضج وعي أخلاقي قبل أن يكون حماسة ضرفية.
في السياق الرياضي، كما في الشأن العام، يختبر هذا الخيط الدقيق بين الإنفعال والحكمة، بين الهتاف في المدرجات والموقف المسؤول. هل ننتصر للقيم حين نخسر؟ وهل نحافظ على وحدة الصف وإحترام الآخر عندما تتعثر النتائج؟ هنا فقط يتجلى الولاء الرشيد عن الإندفاع المؤقت، وتنكشف اللعبة المتقنة التي أعدها بذكاء خبيت أعداء الوطن، حين أرادوا أن تتحول الخسارة إلى ذريعة لتقويض الثوابت أو لإستهداف الأبرياء، أو لتبرير خطاب إقصائي عنصري لا يمت للروح الرياضية ولا للضمير الإنساني بصلة.
كأس إفريقيا، و بعيدا عن لغة الأرقام وحسابات المجموعات ونتائج المباريات، يظل ذلك الموعد الرمزي لإختبار نضج الوعي الإفريقي الجماعي، والقدرة على الفصل بين التنافس المشروع والقيم الإنسانية الجامعة. فالهزيمة مهما كانت موجعة، لا يمكن أن تتحول إلى مبرر لإنتاج خطاب كراهية، ولا إلى ذريعة لتفريغ الإحباط في فئات لا علاقة لها بما جرى فوق المستطيل الأخضر، وفي مقدمتها المهاجرون الأفارقة الذين يشكلون جزء من النسيج الإنساني والاجتماعي لمدننا، ويقاسموننا نفس الفضاء العام.كما لا يجب أبظا أن ننسى أن لدينا كذلك جالية مهاجرة بمختلف البلدان الافريقية من مستتمرين وكفاءات مختلفة وطلبة .
إن كرة القدم في جوهرها العميق، ليست ساحة لتصفية الحسابات ولا منصة لإحياء الصور النمطية، بل لغة تواصل عابرة للحدود وجسر للتقارب بين الشعوب، ومرآة تعكس مستوى نضج المجتمعات في لحظات الفرح قبل لحظات الخيبة. كما أن إستحضار خطاب الكراهية في أوقات الإنفعال الرياضي لا يكشف سوى هشاشة الوعي بقيم التضامن الإفريقي، تلك القيم التي شكلت عبر التاريخ ركيزة أساسية في العلاقات المغربية الإفريقية، من جوانب مختلفة سياسية وثقافية وإنسانية جعلت المغرب يحتل الزعامة والقيادة المحسود عليها من جيرانه و محيطه القاري قبل العالمي. إن نبذ خطاب الكراهية تجاه المهاجرين الأفارقة ليس مجرد موقف أخلاقي نبيل، بل هو ضرورة قانونية وأخلاقية و حضارية، لأن المجتمعات القوية لا تقاس بقدرتها على تحقيق الإنتصار فقط، بل بقدرتها على حماية كرامة الإنسان في لحظات التوتر، وعلى صون قيم العيش المشترك حين تخذل نتائج المباريات كل التطلعات. فالدول الواثقة من نفسها لا تبحث عن شماعات تعلق عليها خيباتها، بل تحول الإخفاق إلى فرصة لمراجعة الذات وترسيخ القيم.
ختاما، يبقى الدرس الأعمق الذي تمنحنا إياه هذه اللحظة هو أن الإنتماء مسؤولية لا ردة فعل، وأن الأوطان تبنى بالعقل والحكمة أكثر مما تبنى بالصراخ والتشنج والعنصرية . قد تمر البطولات وتتغير النتائج، وتطوى صفحات المنافسات، لكن القيم وحدها هي التي تبقى، شاهدة على من فهم معنى الولاء الحقيقي للوطن والحفاظ على مكتسباته وانتصاراته الكبرى، ومن سقط في فخ وكمين الأعداء الذين سبق تخطيطهم ومكرهم أول صفارة للكان .
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي






