تحول مرتقب في كاراكاس… فنزويلا تراجع موقفها من البوليساريو والدبلوماسية المغربية تتحرك بقوة في أمريكا اللاتينية

الدار/ إيمان العلوي
تشهد الساحة السياسية في فنزويلا مرحلة مفصلية قد تحمل انعكاسات مهمة على توازنات المواقف داخل أمريكا اللاتينية، خصوصاً في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية. فبعد سنوات من الاصطفاف الواضح إلى جانب جبهة البوليساريو خلال فترة حكم الرئيس السابق نيكولاس مادورو، بدأت مؤشرات سياسية ودبلوماسية توحي بإمكانية إعادة تقييم هذا الموقف في ظل التحولات التي تعيشها البلاد عقب التغييرات التي عرفتها السلطة في كاراكاس.
لطالما شكلت فنزويلا أحد أبرز الداعمين للبوليساريو في القارة الأمريكية، حيث اعترفت بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” منذ ثمانينيات القرن الماضي، وظلت خلال السنوات الأخيرة من حكم مادورو من بين الدول الأكثر دفاعاً عن الطرح الانفصالي في المحافل الدولية. غير أن التغيرات السياسية الداخلية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والرغبة في إعادة بناء العلاقات الخارجية، تدفع السلطات الجديدة في البلاد إلى مراجعة عدد من الملفات الدبلوماسية التي كانت مرتبطة بالسياسات الإيديولوجية للمرحلة السابقة.
في هذا السياق، تتحدث أوساط سياسية وإعلامية عن تحركات دبلوماسية جارية قد تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الرباط وكاراكاس، حيث يجري التحضير لاستقبال وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، في زيارة توصف بالمهمة، يُرتقب أن تستقبله خلالها شخصيات بارزة في القيادة السياسية الفنزويلية، من بينها نائبة الرئيس السابقة. مثل هذه الخطوة، إن تأكدت، ستشكل مؤشراً واضحاً على رغبة فنزويلا في إعادة النظر في توجهاتها السابقة، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع المغرب بعد سنوات من التوتر السياسي والقطيعة الدبلوماسية.
وتندرج هذه التطورات في سياق أوسع يتمثل في الدينامية الدبلوماسية التي تقودها الرباط خلال السنوات الأخيرة داخل أمريكا اللاتينية، حيث عمل المغرب بشكل متواصل على تعزيز حضوره السياسي والاقتصادي في المنطقة، مستفيداً من التحولات التي عرفتها عدة دول، سواء من خلال تغير الحكومات أو إعادة ترتيب أولويات السياسات الخارجية. وقد نجحت هذه المقاربة بالفعل في تقليص دائرة الاعتراف بالكيان الانفصالي في القارة، إذ أقدمت دول عدة على تعليق أو سحب اعترافها بالبوليساريو، بينما اختارت دول أخرى دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها حلاً واقعياً للنزاع.
ويُنظر إلى أي تغيير محتمل في موقف فنزويلا باعتباره تطوراً ذا دلالة رمزية وسياسية كبيرة، بالنظر إلى المكانة التي كانت تحتلها كاراكاس داخل معسكر الدول الداعمة للبوليساريو في أمريكا اللاتينية. فخلال العقدين الماضيين، شكلت فنزويلا أحد أبرز الحلفاء الإقليميين للجبهة، كما لعبت دوراً مؤثراً في الدفاع عن أطروحاتها داخل عدد من المنتديات الدولية والإقليمية.
غير أن المعادلات السياسية في القارة الأمريكية لم تعد كما كانت في السابق، إذ بدأت العديد من الدول في تبني مقاربات أكثر براغماتية في سياستها الخارجية، تقوم على المصالح الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية بدل الاصطفافات الإيديولوجية التقليدية. وفي هذا الإطار، استطاع المغرب أن يعزز حضوره داخل المنطقة من خلال توسيع شبكة علاقاته الثنائية وتطوير التعاون في مجالات الاستثمار والتجارة والطاقة، وهو ما ساهم في تغيير تدريجي لنظرة العديد من العواصم اللاتينية إلى قضية الصحراء.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة رسم جزئية لخريطة المواقف داخل أمريكا اللاتينية، خاصة إذا ما قررت فنزويلا فعلاً مراجعة موقفها من البوليساريو. مثل هذا التحول، إن حدث، سيشكل مكسباً دبلوماسياً مهماً للمغرب، كما قد يفتح الباب أمام دينامية سياسية جديدة داخل القارة، تدفع دولاً أخرى إلى إعادة تقييم مواقفها في ضوء التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الملف الدبلوماسي المتعلق بقضية الصحراء المغربية دخل مرحلة جديدة تتسم بتغير موازين التأثير والتحالفات الدولية، حيث تواصل الرباط توسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الأكثر واقعية للنزاع، بينما تتجه عدة دول في العالم إلى مراجعة مواقفها السابقة في ضوء التحولات السياسية والاقتصادية التي يشهدها النظام الدولي.






