في ذكرى عيد العمال، الطبقة العمالية بين التاريخ النضالي والتحولات المعاصرة

الدار / بقلم ياسين المصلوحي
يخلد العالم، في الفاتح من ماي من كل سنة، اليوم العالمي للطبقة الشغيلة، أو العمال كما يحلو للبعض تسميتهم. وقد شكلت هذه الفئة، من الشعوب، على مرّ التاريخ، المحرك الرئيسي وعصب كل الأنشطة في المجتمع، سواء تلك التي كانت تقوم على الفلاحة، أو الصناعة بعد الثورة الصناعية، أو الخدمات بمختلف مجالاتها: السياحية أو الاجتماعية أو التجارية… كما تُعدّ هذه الفئة من الجماهير حلقةً مهمةً في مكونات المجتمع؛ إذ طالما كانت سببًا في الثورات وإسقاط العديد من الأنظمة السياسية، أو على الأقل دفعها إلى نهج إصلاحات سياسية واقتصادية، ومساهِمةً في توسيع هامش الحرية وتكريس الديمقراطية، وتحقيق مكتسبات اقتصادية واجتماعية وسياسية. ولعل أبرزها: الحكومة البروليتارية الفرنسية، والثورة البولشيفية الروسية، والانتفاضات النقابية خلال الحرب الأهلية الإسبانية، وانتفاضات العمال في كل من فرنسا وألمانيا في فترات زمنية مختلفة.
ومن بين أوجه تطور هذه الفئات تنظيمُها في هيئات منظمة ومؤسساتية، تناضل لضمان حقوقها، حيث يعتبرون أنفسهم السبب الرئيسي والمباشر لازدهار مجتمعاتهم، وأن الرفاهية ورغد العيش الذي تنعم به الطبقة البورجوازية ما كان ليتحقق لولا مجهودهم. وهو ما مكّن من تحقيق عدة مكتسبات وضمان مجموعة من الحقوق، مثل: تقنين ساعات العمل، والحق في العطل السنوية والأسبوعية، وتحسين الدخل، بل وتخصيص تمثيلية سياسية لهذه الفئات داخل الغرف التمثيلية والتشريعية في مختلف الدول.
وفي السياق المغربي، كانت الطبقة العمالية تشكل شريحةً واسعةً من أفراد المجتمع في مختلف المجالات، وعنصرًا مهمًا في النسق السياسي والاجتماعي للمغرب؛ حيث ساهمت في تأطير هذه الفئة وإدراجها في المشاركة المجتمعية، كما كانت فاعلًا في العديد من المحطات التاريخية التي طبعت مسار المغرب منذ عهد الحماية إلى اليوم. غير أن التحولات البنيوية التي عرفها المجتمع، بصفة عامة، وتدافع الأجيال وتغيرها، أدّت إلى تغير جوهري في أداء هذه الفئة المجتمعية، وكذا تغير أنماط المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لدرجة الفتور التي يعزوها العديد من المتتبعين إلى تجويف العمل النقابي، واعتباره، من طرف البعض، مطيةً لتحقيق الأغراض الشخصية. كما تم تسييس العمل النقابي عندما انتقلت المنافسة السياسية من الساحة الحزبية إلى الآليات النقابية، التي أصبحت تشكل امتدادًا للأحزاب وأحد أذرعها السياسية، وهو ما جعل النقابات تتواجه فيما بينها، في الوقت الذي يُفترض فيه أن تتحد في مواجهة ملاك الرأسمال والباطرونا.
هذا التطاحن أدّى إلى أفول نجم النقابات كمؤسسات للتأطير وتبني الملفات المطلبية والترافع عنها، وبروز هيئات جديدة من قبيل التنسيقيات، التي استثمرت تراجع مصداقية العمل النقابي، ومحاولة الحلول محلها في الدفاع عن مطالب الفئات العمالية بمختلف مجالاتها. ولعل إضرابات الأساتذة المتعاقدين والأطر المعطلة خير دليل على تراجع مؤسسات الترافع التقليدية.
ورغم التغير الوظيفي والبنيوي الذي عرفه قطاع العمال، فإن الحوار الاجتماعي وتجاوب الدولة مع المطالب الشعبية لهذه الفئات لم ينقطع، بل سجّل تقدمًا كبيرًا، خصوصًا خلال السنوات الأخيرة، ما انعكس إيجابًا على عدة ملفات. لكن هذا التحسن والتفاعل الإيجابي لا يجب أن يُهملا ضرورة التوفر على مؤسسات تمثيلية ونقابية في المستوى، تتمتع بالمصداقية والمشروعية، لتكون مكوّنًا ضمن البناء المؤسساتي للبلاد.






