فاتح ماي، المغرب ورهان العدالة الإجتماعية.

يحل فاتح ماي لسنة 2026 والمغربية وكغيرة من القوى الصاعدة يجد نفسه في خضم تحولات بنيوية عميقة يشهدها عالم اليوم، حيث لم تعد المطالب العمالية حبيسة الشعارات التقليدية المتعلقة بالأجور وساعات العمل، بل إتسعت لتشمل تحديات الثورة الرقمية والأمان المهني في ظل الإستعمال المتسارع للذكاء الاصطناعي. توجه دولي يتجلى هذه السنة نحو المطالبة بـإنبثاق عقد إجتماعي جديد يعيد الإعتبار للعنصر البشري كركيزة أساسية للتنمية، خاصة مع تزايد حدة الفوارق الطبقية وضغوط التضخم التي مست القوة الشرائية بإرتفاع مستوى المعيشة في مختلف دول العالم ، الأمر الذي جعل المسيرات العمالية تتحول من منصات خطابية إلى جبهات مباشرة للمطالبة بحماية الحقوق الإجتماعية من تغول الرأسمالية المتوحشة.
واقع يتميز فيه النموذج المغربي عبر مأسسة الحوار الإجتماعي الذي أثمر مكاسب تشريعية لافتة هذه السنة، خاصة مع تنزيل التعديلات الجوهرية في القانون الجنائي وقانون المسطرة المدنية، وتطوير مدونة الشغل بما يضمن تعزيز الحماية القانونية للأجراء، وتوسيع قاعدة التغطية الصحية والإجتماعية لتشمل كافة فئات الشغيلة، وهو ما يجسد رغبة الدولة في جعل الإنسان بوصلة لكل تعاقد إجتماعي جديد.
وعلى المستوى الجيوسياسي، يتقاطع عيد الشغل هذه السنة مع أزمات دولية معقدة أفرزت حراك نقابي يتجاوز الحدود، حيث برز شعار السلم العالمي كشرط أساسي للإستقرار والكرامة. ولا يمكن في هذا الباب إغفال الدور المحوري لليد العاملة المغربية المهاجرة، التي تظل صمام أمان للإقتصاد الوطني وقنطرة وصل حضارية، إذ يسهم مغاربة العالم بكفاءاتهم وتحويلاتهم في دعم التوازنات المالية وتحريك عجلة الإستثمار المنتج. إن التلاحم بين الشغيلة المغربية في الداخل والخارج، مسنود بإرادة سياسية عليا لإصلاح منظومة التقاعد وتجويد تشريعات العمل مما يعزز صمود المغرب في وجه التقلبات العالمية.
ختاما، فاتح ماي لسنة 2026 محطة تقييمية رصينة لمدى قدرة السياسات العمومية على الإستجابة لتطلعات المواطن، فالإستثمار في الرأس المال البشري هو الرهان الأسمى لتحقيق التنمية المستدامة والمنصفة التي تليق بطموحات المغرب الحديث.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي.





