سلايدرمغرب

هل تنجح هندسة وزارة الداخلية في ترميم وجه السياسة المغربية؟

الدار/

يستعد المشهد السياسي المغربي لدخول مخاض عسير، تتقاطع فيه المستجدات القانونية المستحدثة لسنتي 2025 و2026 مع تعقيدات واقع سوسيوسياسي صلب ظل لسنوات يقتات على المال الانتخابي وأصحاب النفوذ. إن القراءة المتأنية للتحولات الجارية تشير إلى أننا أمام محاولة جراحية كبرى تقودها وزارة الداخلية لاستئصال الأورام التي أصابت جسد المؤسسات المنتخبة، حيث لم يعد الرهان مجرد تنظيم عملية إنتخابية، بل إنقاذ صورة الدولة ومصداقية مؤسساتها التي إستنزفتها ملفات قضائية ثقيلة هزت الرأي العام الوطني. فالمنع بناءا على صدور أحكام ابتدائية، وإقرار العزل النهائي، وإعتماد منصات رقمية لتدقيق السوابق، كلها مؤشرات على تدشين مرحلة قطيعة إجرائية تسعى لتجفيف منابع الفساد الإنتخابي قبل وصوله إلى صناديق الإقتراع.

مؤشرات يظل معها التساؤل قائما حول مدى صمود هذه المتاريس القانونية أمام قدرة الكائنات الانتخابية على التكيف ، خاصة في ظل مبدأ قرينة البراءة الذي يتخذ في الكثير من الأحيان كدرع قانوني للإستمرار في المشهد العام رغم الشبهات والمتابعات القضائية.
إن إستقراء التاريخ الانتخابي المغربي يكشف عن مفارقة عجيبة، فكلما ضيقت الدولة الخناق القانوني، ابتكر البعض ممرات خلفية للعودة، مستغلين حاجة الأحزاب السياسية لكراس نيابية لضمان التموقع في الخريطة البرلمانية. غير أن هذه المرة تبدو مختلفة من حيث الإرادة السيادية العليا التي رفعت سقف الجدية إلى مستويات غير مسبوقة، جاعلة من تخليق الحياة العامة ضرورة أمنية وسيادية بامتياز. فالدولة تدرك جيدا أن إعادة تدوير الوجوه المحروقة أو المتابعين في قضايا فساد لن يؤدي فقط إلى إنتاج مؤسسات مشلولة، بل سيذكي نار العزوف الذي وصل في محطات سابقة إلى مستويات مقلقة. و العزوف في هذه الحالة لن يكون مجرد غياب عن الصناديق، بل قد يرتقي إلى تصويت عقابي صامت يعبر عن فقدان الثقة التام في قدرة الإنتخابات على التغيير، مما قد يضع شرعية التمثيلية برمتها على المحك.
و بناء عليه فمن المتوقع أن تنجح وزارة الداخلية في المنع التقني المباشر لذوي السوابق والمتابعين، بفضل الترسانة الرقمية التي لا تحابي أحدا، لكن النجاح السياسي الأعمق يظل معلقا في رقبة الأحزاب . فإذا إستمرت هذه الأخيرة في تغليب منطق المقعد المضمون على المرشح النزيه ، فإننا سنشهد ولادة نوع من الفساد الناعم أو الوجوه البديلة الي ستتحرك ككمبرصات بالنيابة عن القوى التقليدية، مما قد يفرغ النصوص القانونية من محتواها الأخلاقي.

ختاما، إن مستقبل العملية الانتخابية بالمغرب يمر اليوم عبر نفق ضيق فإما نجاح الدولة في فرض مسطرة صارمة وبالتالي إعادة التصالح مع الناخب وإغراء الكتلة الناظمة بالعودة للمشاركة، وإما السقوط في فخ التدوير المقنع الذي سيكرس العزوف ويجعل من البرلمان مجرد ناد لدوي المصالح الضيقة، وهو سيناريو تدرك الدولة كلفته السياسية والإجتماعية الباهظة في ظل تحديات إقليمية ودولية تتطلب جبهة داخلية متماسكة ومؤسسات ذات مصداقية حقيقية.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي.

زر الذهاب إلى الأعلى