أخبار دوليةسلايدر

دبلوماسية “القداس الأخير” ،أو حين تبتلع البروباغندا عظمة الروح في حسابات قصر المرادية

الدار/

تأتي زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية، لتكشف بوضوح عن عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها الدبلوماسية الجزائرية، والتي باتت تعيش حالة من الفوبيا الوجودية تجاه الريادة المغربية القارية. فبينما كان يفترض أن تشكل الزيارة جسر روحي يستحضر إرث القديس أوغسطينوس وقيم التسامح الإنساني، حولها صناع القرار في الجزائر إلى منصة إستعراضية لمحاولة كسر العزلة الدولية المتزايدة التي تفرضها سلسلة الإخفاقات المتتالية في الملفات الإقليمية والقارية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية التي حسمها الواقع الميداني والإعترافات الدولية المتلاحقة.

إن الإصرار الجزائري على إضفاء طابع سياسي على هذه الزيارة، ومحاولة حشر رمزية الفاتيكان في أتون الصراع مع المغرب، أمر يعكس الفشل الذريع في فهم أدوات الدبلوماسية الروحية الحديثة. فالمملكة الشريفة بقيادة أمير المؤمنين إستطاعت بناء نموذج أصيل وناعم للتأثير الديني في أفريقيا، قائم على التكوين الروحي والمؤسساتي الراسخ، وهو ما تفتقده الجزائر التي تحاول اليوم القفز فوق الواقع عبر استعارة هيبة البابا لتسويق صورة زائفة عن التسامح والتعايش. هذا التوظيف السياسي لم ينجح في إخفاء التناقض الصارخ بين محاولة خطاب الإنفتاح الذي سعت السلطات لترويجه أمام كاميرات العالم، وبين الواقع الداخلي الذي يزداد غلايانا يوما بعد يوم ، والسياسات الإقليمية القائمة على التصعيد والمعاكسة الممنهجة لمصالح الجار المغربي.
يبدو أن هذه الزيارة، رغم زخمها الإعلامي لن تغير من موازين القوى الدبلوماسية، بل ستعمق من ورطة النظام الجزائري دوليا. فالفاتيكان بذكائه التاريخي لن يسمح بأن يكون مطية لأجندات ظرفية، وقد بدا خطاب البابا متعالي على الصغائر السياسية التي حاول قصر المرادية تسويقها. إن الفشل في فصل “المقدس” عن “السياسي” في هذه المحطة التاريخية الحاسمة من تاريخ شمال إفريقيا وقارة بأكملها، هو إمتداد لسلسلة من الإنكسارات في المنتديات الدولية التي باتت تضيق ذرعا بالأسطوانة المشروخة للدبلوماسية الجزائرية.

ختاما، ستظل زيارة بابا الفاتكان ألى الجزائر محطة عابرة في التاريخ، بينما يبقى الثابت الجيوسياسي هو أن النفوذ الروحي والسياسي لا يصنع ببروتوكولات الاستقبال ، بل بالشرعية التاريخية والمبادرات المسؤولة التي تفتقدها الجزائر في تدبير ملفاتها الكبرى، وفي مقدمتها احترام سيادة الجار وكف اليد عن العبث بالاستقرار الإقليمي.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي .

زر الذهاب إلى الأعلى