أخبار الدارسلايدر

المغرب بلد التعايش و حائط باب دكالة حائط تاريخي وليس جدارا للإنقسام والكراهية.

 

لم يكن التريث في مقاربة مشهد صلاة طائفة من الزوار اليهود أمام أحد الأسوار التاريخية لمدينة مراكش مجرد تأخير لترويض القلم ، بل كان وقفة إستقراء ضرورية لفصل جوهر الممارسة الدينية عن ضجيج الإستغلال السياسي. ففي غمرة الإنفعال العاطفي الذي غمر منصات التواصل الاجتماعي، كان لا بد من إعمال لغة العقل والتبصر لرصد ما وراء الواقعة، بعيدا عن هيجان الخطاب الذي يحاول المساس بالوعي المجتمعي للمغاربة، مستغلا غيرة فطرية على المقدسات لتمرير أجندات تتجاوز حدود الواقعة.

إن الوقوف عند تفاصيل واقعة حائط باب دكالة والذي وجب الإشارة أنه لم يذكر في في الثوراة ولا الأسفار وحتى التلمود،أمر يحيلنا على طبيعة الطائفة المعنية ذات اللباس المميز وهم “الحريديم” الذين يرون في شريعة صلاة المساء “أرفيت ” التزام شعائري لا يقبل التأجيل، مما جعل الضرورة الحالة لتواجدهم في جولة سياحية بالمدينة القدينة وبالقرب من أحد أصوارها،ضرورة حالة تقام في الفضاء العام بباب دكالة، لا لرمزية قدسية توجد في الحائط نفسه، بل لضيق النافذة الزمنية التي تنتهي بغروب الشمس. هذا السياق الذي قد يبدو غريب في مشهده، هو في عمقه طقس إعتاده المغرب عبر العصور، حين كان اليهودي المغربي جزء لا يتجز من النسيج اليومي للأسواق والمدن العتيقة، يمارس خصوصيته الدينية في كنف “دار الإسلام” التي لم تكن يوما من الأيام ضيقة بالآخر، بل كانت وعلى الدوام فضاء آمن لكل أهل كتاب.
غير أن إستدعاء الوجع الفلسطيني المشروع، ومحاولة إسقاطه وبشكل قسري على واقعة تعبدية لمواطنين مغاربة يهود أو زوار يحملون جذور هذه الأرض، يكشف عن محاولات حثيثة لتسييس الخوف وتزييف الوعي الجماعي. فالترويج لأكاذيب إسترداد الأرض والدور بالملاح والتهجير القسري للهوية الحضرية الإسلامية يعتبر ركوبا على قضايا الأمة العادلة لغرس بذور الفتنة وتشكيك المغاربة في صلابة مؤسساتهم وقوانينهم.
فالدولة المغربية و في ظل نظام إمارة المؤمنين ليست مجرد هيكل قانوني جامد، بل هي الضمانة الروحية والقانونية التي تحمي النظام العام والسكينة الروحية للجميع، حيث يظل الملك وطبقا للدستور بصفته أمير للمؤمنين و حامي لجميع الملة والدين ومجسد لنموذج فريد في التوازن بين حماية العقيدة الإسلامية وضمان حرية التعبد لغير المسلمين.
إن دستور المملكة لسنة 2011 لم يأت بمقتضياته من فراغ بل صاغ عبقرية المغرب التاريخية في نصوص قانونية متقدمة، فحين ينص الفصل الثالث على أن “الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”، فهو يكرس ذلك النموذج الأصيل للسيادة التي لا تخشى التعددية بل تحتضنها كرافد من روافد الهوية المغربية. وعلى من حاولوا تسويق مشهد “تطهير الحائط” وللأسف كفعل بطولي أن يدركوا أن القانون المغربي يحمي الشعائر الدينية من التعطيل أو الإضطراب بقدر ما يحمي العقيدة الإسلامية من الزعزعة والتبشير، وأن قوة الدولة تكمن في قدرتها على إحتواء هذه المشاهد بذكاء أمني وحقوقي يمنع انزلاقها نحو الفوضى أو التصادم.
كما أن المقارنة مع ما يحدث في كبريات العواصم الأوروبية، حيث تقام صلاة المسلمين في الميادين العامة دون أن ينظر إليها كفعل إستعماري أو تهديد للهوية، تضعنا أمام مرآة الوعي الكوني فالمغرب الذي ظل وعلى الدوام ذلك الجسر المتين بين الحضارات، يقدم اليوم نموذج إستثنائي أشاد به المنتظم الدولي كواحة للتسامح. إن الحفاظ على هذا التميز يقتضي منا ألا نسقط في فخ العنصرية أو الكراهية تحت مسوغات واهية و هشة، فالهوية الوطنية التي نظر لها مفكرون كبار مثل محمد عابد الجابري رحمه الله تنصهر في بوصلتها قيم الإنفتاح والإعتدال وتجعل من الدين الإسلامي السمح مرجعية للوصل لا للفصل.

ختاما، إن واقعة مراكش بضجيجها العابر يجب أن تقرأ كفرصة لترسيخ الوعي الحقوقي وثقافة الحوار ، وللتأكيد على أن المغرب سيظل عصيا على كل محاولات إختراق سلمه الإجتماعي، حاميا لإرثه العبري كجزء من أصالته، ووفيا لالتزاماته الإنسانية تحت ظل ملكية تجعل من الإنسان بمعتقداته وحقوقه غاية كل سياسة ومنتهى كل قانون.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي

زر الذهاب إلى الأعلى